كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

. ولكن قبل ذلك، لنحدد مــا الذي نعنيه بالنخبة. فالنخبة 2021 و 2011 عامــي فــي أغلــب التعريفات هي الأقلية التي تحكم أو تقــود الأغلبية بما تملكه من قوة مادية ومعنوية ونفوذ في مختلف المجالات وتأثير ظاهر وخفي. في الحالة التونســية، نقصد بالنخبة مجموع الأفراد والكتل التي تحتل مواقع قيادية مؤثرة في الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية وهيئات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، وعلى مســتوى إدارة الدولة ومؤسســاتها، إضافة إلى نخبة الأكاديميا المنخرطة في الشأن العام. بهذا المعنى، كان العدد الأكبر من مكونات النخبة التونســية قد شارك في أعمال المؤسســات التي نشــأت بعد الثورة، مثل مجلس حماية الثورة والهيئة العليــا لتحقيق أهداف الثورة، أو المجالس المنتخبة، مثل المجلس التأسيســي ومجلس نواب الشــعب، أو حكومات المرحلة الانتقالية بدءًًا بحكومة الغنوشي وانتهاء بحكومة المشيشــي، أو الهيئات الدســتورية، مثل هيئة الانتخابات وهيئة الســمعي البصري وهيئة العدالة الانتقالية، أو المنظمــات القطاعية والحقوقية، مثل اتحاد الشــغل واتحاد الصناعة والتجارة وهيئة المحامين ونقابة الصحفيين ورابطة حقوق الإنســان. فقد أســهم هذا المزيج من النخب السياسية والنقابية والأكاديمية والإعلامية وناشطي المجتمع المدني في توجيه المسار الانتقالي إلى حيث انتهى، كل من موقعه وكل بقدر الدور الذي لعبه. ولا نريد الدخول هنا في الجدل النظري حول إشكالية العلاقة بين النخبة باعتبارهــا الأقليــة الأكثر تأثيرا في النظام السياســي والاجتماعي والاقتصادي، والديمقراطيــة باعتبارهــا حكم الأغلبية. فالتناقض بيــن الاثنين ظاهر وحقيقي، ويمكــن إذا مــا دفعناه إلى حــدوده القصوى أن ننتهي إلى كــون الأغلبية في الديمقراطية كما في غيرها من الأنظمة السياســية، مجرد واجهة لحكم الأقلية. ولكــن، مــا يهمنا هنا بالتحديد هو دور النخبة فــي عملية الانتقال الديمقراطي وليس علاقتها بالديمقراطية في أصلها وفي كيفية اشــتغالها. ضمن هذا الفهم، يحاول هذا الفصل تحليل دور النخبة التونســية في مسار الانتقال الديمقراطي، والوقوف على طبيعة إسهامها في إنجاحه ابتداء وإفشاله في آخر المطاف.

65

Made with FlippingBook Online newsletter