. النخبة والانتقال الديمقراطي: ديناميكية التوافق 1 عاشــت النخبة التونســية قبل الثورة، وطيلة عهدي الاستبداد تحت حكم بورقيبة وابن علي، بل حتى خلال الاحتلال الفرنســي، انقســاما سياسيا وفكريا واجتماعيا ســهّّل مهمة الاحتلال والاســتبداد معا. وكما في كل المجتمعات، لعبت الســلطة السياســية دورا أساسيا في إحداث الانقسام وتغذيته بين النخب، فتحالفت مع شــق ضد شق، ووظفت بعضها ضد بعض، واستخدمت في ذلك أســاليب الترغيــب الترهيب. وبعد الثورة، مارســت النخبة التونســية مختلف الوظائف التي تمارسها النخب أثناء عمليات التحول من النظم الاستبدادية إلى النظم الديمقراطية، من قبيل التفاوض والتعاقد والتســويات والتوافقات الصعبة والمعقدة. فكانت الثورة مناسبة تهيأت فيها أرضية مشتركة لتقريب الشقة وتجاوز الانقســام، ليس فقط بين نخب المعارضة ونخب الموالاة، بل أيضا بين نخب النظام القديم فيما بينها، ونخب المرحلة الجديدة فيما بينها. لقد خلقت الثورة ديناميكية لافتة في حركة النخبة التونسية تقاربا وتباعدا، وكان مؤشــر أدائها في مســار الانتقال الديمقراطي غير مســتقر، يصعد وينزل، فحققت نجاحات وتســببت في إخفاقات، وأســهمت في البناء وساعدت على الهــدم. فكانــت في الوقت ذاته تخلق الأزمات وتتجاوزهــا بأثمان متفاوتة في مسار طويل وديناميكي " مســار متعرج لا يقين فيه. فالتحو ُُّل الديمقراطي عموما ، على حد تعبير أحد أبرز المنظرين، لورنس وايتهاد " ومعقــد ومفتــوح النهايات . وإذا كانت بعض المســارات الانتقالية قد نجحت ((( ) Laurence Whitehead ( بالفعل في ترســيخ الديمقراطية، فقد فشــلت مســارات أخرى في بلاد كثيرة، وأفسحت المجال في مراحلها الأخيرة لعودة الاستبداد. في المســار الانتقالي التونســي، لعبت سياســة التوافق بين النخب دورا أساســيا. فقــد صاحبت أغلب مراحله حتى انطبعــت التجربة بالطابع التوافقي. ، على رأي عياض بن عاشــور، فقد " قوة تحويلية " ولأن التوافق يحمل في ذاته جمع فاعلين متناقضين، وغيَّّر مفاهيم ومصطلحات ومؤسسات وصاغ خطابات (1) Whitehead , Laurence , Democratization : Theory and Experience , Oxford University Press , 2002, p . 65.
66
Made with FlippingBook Online newsletter