صورة الدولة الحديثة في مخيال الحركات الإسلامية المغرب وتونس…

لا تؤمــن إلا بالإنجــاز والعطاء، وتحقيق أكبر قدر من المصالح للمواطنين، بعيدًا عن أية أيديولوجيا دينية. لهذا، تعتبر خطوة الفصل بين الدعوي والسياســي لدى الحركة والحزب، ضمانًا لنوع من الاســتمرارية في المشاركة السياسية، لأنها ترفع عن هؤلاء الإسلاميين نسبيّا تهمة معارضيهم باستغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية، أو الطموح لإنشاء دولة دينية. وقد ســار على هذا النهج حزب «النهضة»، ولو بشــكل متأخر زمنيّا عن حزب «العدالــة والتنمية» المغربي، فتخلى عن العمل الدعوي والديني، الذي تركه للمجتمع المدنــي، مكتفيًا بالتخصص في العمل السياســي، معلنًا نفســه حزبًا سياســيّا وطنيّا ديمقراطيّا، همه الأســاس إنشــاء برامج تنموية اقتصادية واجتماعية، تنهض بالدولة، وتحقق للمواطنين نوعًا من الاستقرار المادي. وإذا كانت خطوة الفصل بين الدعوي والسياسي لدى هذا التيار من الإسلاميين قد أمّنت اســتمرارهم السياســي، وطمأنت نسبيّا أعداءهم داخل الدولة وخارجها، إلا أنها جرّت عليهم انتقادات كبيرة، خاصة من طرف التيارات السلفية، والفئات الشعبية المناصِرة لمشــروعهم الإسلامي الذي شكّل أساس وهدف وجودهم، والذي اختفت معالمه رويدًا رويدًا بعد ولوج تجربة الحكم، فأصبحوا يلقبون بالعلمانيين الجدد، أو تيار الإسلاميين العلماني. ونظــرًا لتصدر هذا التيار الإســ مي المتمثل في «حركــة التوحيد والإصلاح» المغربية، وحركة «النهضة» التونسية للمشهد السياسي في السنوات الأخيرة، في سابقة تاريخية بالدول العربية الإســ مية بعد ثورات ما سمي بـ»الربيع العربي»، فقد استلزم الأمر رصد تمثلهم للدولة الحديثة التي أضحى حكمها أمرًا واقعًا؛ وذلك للوقوف على طبيعة هذه التمثلات التي تؤثر بشكل إيجابي أو سلبي على الأداء السياسي للأحزاب الإسلامية المنبثقة عنها، كما أن دراسة هذه التمثلات من شأنها أن تقرب لنا الصورة عن مدى انســجام فكر الحركات الإســ مية -موضوع الدراســة- مع طبيعة الدولة الحديثة أو مدى تعارضه معها، لنتمكن في النهاية من مقاربة تجربتهم السياسية ونقدها.

17

Made with FlippingBook Online newsletter