| 122
وبوجــه عام، يميــل الباحثون إلى النظر إلى الإســتراتيجية الكبــرى بوصفها إطارًًا للتخطيط طويل المدى، يســتند إلى إدراك الفاعلين للواقع الجيوسياسي في الماضي والحاضر والمستقبل، وإلى تصورهم للمصلحة الوطنية، وللوسائل والأدوات الكفيلة ) 14 بتحقيقها .( وفي هذا الســياق، ذهبت دراســات حديثة إلى أن الدول الصغيرة، بحكم محدودية قدراتها ومواجهتها تهديدات وجودية، تكون أكثر حاجة إلى تبني إســتراتيجية كبرى مــن القــوى العظمى؛ إذ تتيح لها هذه الإســتراتيجية بناء تحالفات مع قوى مهيمنة، للتأثير في سياسات تلك القوى بما يحقق قدرًًا " القوة المشتقة " وتوظيف ما يســمى .) 15 أكبر من التوافق مع مصالحها الوطنية( ورغــم اتفــاق الباحثين على أن الإســتراتيجيات الكبرى لا تتغيــر إلا نادرًًا، فإنهم الأحداث " يختلفون بشأن العوامل التي تقود إلى هذا التغيير. فبينما يرى معظمهم أن تمثــل المحفز الرئيس لإحداث التحولات الإســتراتيجية، يذهب آخرون " الكارثيــة إلى أن المسارات التاريخية والأنماط الإدراكية الراسخة لدى صنََّاع القرار قد تعوق .) 16 حدوث مثل هذا التغيير حتى في مواجهة تلك الأحداث( غير أن إحداث تحول في الإســتراتيجية الكبرى يقتضي، في العادة، إحداث تحول " السرديات الإستراتيجية " مواز في الخطاب الذي تتبنََّاه القيادة السياسية، ولاسيما في التي توظفها لتبرير هذا التحول، وإقناع الجمهور الداخلي بجدواه وبالتكاليف المترتبة عليه. فهذه السرديات لا تقتصر على تفسير الحدث، وإنما تعيد تعريف صورة الدولة .) 17 لذاتها، وطبيعة التهديدات التي تواجهها، وكيفية التعامل معها( وفي هذا الإطار، ترى كاترينا كنفال وجنيفر ميتزن أن الســرديات الإســتراتيجية لا تركز على التهديدات التي تمس الأمن المادي للدولة فحســب، بل تمتد أيض ًًا إلى أمنها الوجودي، من خلال مخاطبة البنى الإدراكية للجمهور الداخلي، بما يسهم في تعزيز تماســك الهوية الجماعية، وحشد التأييد اللازم للقيادة كي تمضي في إحداث .) 18 التحولات الإستراتيجية وتحمل كلفتها( وإذا نجحت هذه الســرديات في التأثير في إدراكات الجمهور، فإنها تدفعه إلى تبني ، ومن ثم قبول المســار " الصديق " و " العدو " المعايير التي تضعها القيادة للتمييز بين السياسي الذي تتبناه بعد وقوع الأحداث الحرجة، بما يوس ِِّع هامش حركتها في إدارة
Made with FlippingBook Online newsletter