لباب-العدد 32

21 |

ثانيًًا: من الثروة إلى بناء الدولة إذا كانت المأسسة، كما اتضح في المحور السابق، قد مثََّلت أحد أبعاد التحول الذي ، فإن بناء المؤسسات وتوسيع وظائف الدولة كانا يحتاجان 1995 شهدته قطر منذ عام إلى قاعدة مادية تتيح تحويل الخطط والسياسات إلى قدرات فعلية. وقد وفرت الثروة الهيدروكربونية هذه القاعدة، لكن أهميتها في تجربة الشيخ حمد بن خليفة لم تكن في حجم الإيرادات التي حققتها فحســب، وإنما في الكيفية التي أُُعيد بها توظيف هذه الإيرادات في بناء الاقتصاد والبنية التحتية والمؤسســات ورأس المال البشــري والأصول الاســتثمارية. ومن هذه الزاوية، يمكــن النظر إلى التحول الاقتصادي في يـ ًا من امتلاك مورد طبيعي إلى � تلــك الحقبــة بوصفه عملية انتقلت فيها قطر تدريج توظيف عوائده في بناء الدولة وتوسيع إمكاناتها التنموية. ولم يكن هذا التحول نتيجة تلقائية لامتلاك قطر احتياطيات ضخمة من الغاز؛ فعندما ، كانت الدولة تواجه ظروفًًا 1995 تولى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم، عام ماليــة صعبــة بفعل انخفاض أســعار النفط وتراجع الإيرادات والســيولة، في وقت كانت فيه مطالبة بتوفير اعتمادات مالية كبيرة لاســتكمال مشــروعات الغاز الطبيعي والبتروكيماويات والأسمدة والكهرباء وغيرها من مشروعات التنمية، وهو ما استدعى تمويل جانب منها بقروض داخلية وخارجية. ومع ذلك، لم تتجه القيادة إلى تقليص المشروعات الإستراتيجية أو التراجع عنها بل اختارت تحمل الضغوط المالية الآنية والاســتمرار فــي خطة التنمية، انطلاقًًا من تقديــر أن محدودية الاحتياطيات النفطية تجعل تنمية موارد إضافية ومتنوعة ضرورة لمســتقبل البلاد. وقد عبََّر الشــيخ حمد مبكــرًًا عن هذا التصور حين ربط قوة الاقتصاد ليس فقط برفاه المواطن ومســتوى معيشته، وإنما أيض ًًا بأمن الوطن واستقراره وتقدمه واستقلال قراره. وكان تطوير الغاز في قلب هذه الرؤية؛ إذ توقعت القيادة آنذاك أن تكون الصعوبات المالية مؤقتة إلى حين اكتمال المشروعات الأساسية وبدء الإنتاج الفعلي للغاز. ومن ثم، لم تكن نقطة الانطلاق وفرة مالية جاهزة أتاحها الغاز، بقدر ما كانت قرارًًا إســتراتيجيًًّا بالاستثمار فــي الغــاز وتحمل تكلفته قبل أن تتحقق عوائده الكبرى، وتحويله لاحقًًا إلى قاعدة .) 12 لتمويل عملية أوسع لبناء الدولة وتنويع مواردها(

Made with FlippingBook Online newsletter