261 |
يقــدم الكتاب هــذه المضايق المحفوفة بالخطر توصيفًًا ونمذجة دون تصنيف نظري يســهِِّل أكثر الإضاءة المعرفية لهذه المســألة الحارقة في العلاقات الدولية الراهنة، مــن خلال ربطها بالمفاهيم الكبرى للصراع والقوة والســيادة والاعتماد المتبادل... ويبدو لنا ممكنًًا إعادة فرز وتصنيف أشــكال هذه الهشاشــة البنيوية في هذا الصدد على عدة مستويات: من حيث طبيعة الهشاشة، بين عوارض تقنية تعطل العبور عبر المضيق على غرار حادث الناقلة الذي أغلق قناة السويس لأيام وأخرى طبيعية مثل التحــولات التي تجري على مســتوى عمق المياه، واخــتلالات بيئية أخرى تتصل بالاحتــرار والتجمد، وعجز بعض المواقع البحرية عن اســتيعاب الناقلات الجديدة ذات الحجم الكبير، ثم سياسية- أمنية على غرار تصعيد عسكري أو اضطراب أمني طارئ يعطل الملاحة. ومن حيث الفاعلون، يمكن تصنيف نماذج الهشاشــة السياســية الأمنية إلى أزمات مــن صنــع فاعلين غير نظاميين على غرار عمليات القرصنة التي قامت بها عصابات صومالية في باب المندب أو هجمات الحوثيين على الناقلات الإســرائيلية وناقلات أخرى، أو عمليات القرصنة المتواصلة في مضيق ملقا، مقابل اضطرابات نتيجة تورط دول في عمليات عنف أو حصار كما يجري حاليًًّا في هرمز. انطلاقًًا من مضمون الكتاب وفي مسعى لإدراجه ضمن سياق إستراتيجي أوسع يتصل براهن ومســتقبل النظام العالمي ككل، وموقع مســألة المضايق والمجالات البحرية ككل فــي الســباق على القمة، يبدو من المفيــد التوقف بتفصيل أكبر عند نموذجين بارزين من النماذج التي توقف عندها الكتاب، في أفق توســيع زمنية المقاربة لتربط الماضي بالحاضر والمســتقبل من جهة، ومد بُُعدها الجيوسياسي لتجمع بين نموذج أزمــة إقليميــة راهنة ونموذج أزمة عالمية مرتقبــة. نحن هنا في قلب رقعتين عاليتي الحرارة: هرمز وملقا. يمثل هرمز نموذج ًًا لســيناريو الأزمة الراهنة الملموســة التي حدثت في الماضي مع 1980 حــرب الناقلات العراقية-الإيرانية التي عمد من خلالها كل من الطرفين (من ) خلال حرب الخليج الأولى إلى استهداف ناقلات النفط والسفن التجارية 1988 إلى لإلحــاق الضرر بالخصم. هرمز إذن يســائل زمنية الكتــاب الذي صدر قبل اندلاع الأزمة الراهنة بين إيران والولايات المتحدة، بدروس أزمات ســابقة وبســؤال حول مآل التطورات غير المسبوقة التي تجسدها الأزمة المفتوحة حاليًًّا.
Made with FlippingBook Online newsletter