لباب-العدد 32

| 278

بالاقتضاب والعمومية، لكنه لا يرفع عنه أهميته المرجعية التي توجه القارئ والباحث ا ًا. المهتم نحو تقصي نصوص أكثر تخصص ًًا وعمقًًا وتأصيل يســتحضر الكتاب نماذج كثيرة من المضايق في عرض أطروحته التي تقرن الأهمية بالهشاشة الداعية إلى جهود من أجل بدائل مستدامة لسيناريوهات العطب والإغلاق، لكــن القارئ المهتم أو الباحث المختــص يظل مفتقدًًا للتأصيل النظري الذي يربط إشكاليات المضايق بالمفاهيم الكبرى في العلاقات الدولية: الصراع كحالة مهيمنة في ممارســة السياسة، والسيادة كسند حاسم في تعريف الدولة، والإقليم كمجال تسعى كل دولــة إلى احتكار الســيطرة عليه، والقوة كمنظومــة مكونة من عدة عناصر منها الموقــع الجغرافي والمجال البحري، والاعتماد المتبادل كمفهوم مؤســس لدينامية التبــادل الدولي في زمن العولمة...وكل هذه المفاهيم لها موقعها لدى صانع القرار أو الباحث على السواء في قراءة واقع المضيق كمجال جيوسياسي واستشراف مآلاته. ا في العمق التحليلي لوجهي الأهمية التي تكتسيها المضايق، قد يسجل القارئ اختلالًا حيث يتوســع الكتاب في عرض وتركيب المؤشــرات التي تعكس الوظيفة الحيوية لهــذه المواقع في إنعاش حركة التبــادل الاقتصادي، لكنه يعتمد الاختزال في رصد الدينامية الجيوستراتيجية التي تشهدها من خلال مجهودات الدول المشاطئة والقوى الدولية أيض ًًا لتجهيز هذه المواقع وهيكلتها عســكريًًّا وأمنيًًّا ولوجســتيًًّا بحيث تغطي الأولويات الأمنية للدول. فالمضايق والمجالات البرية والبحرية المجاورة لها تغدو مواقع متقدمة للتحصين والتطويق ومراقبة المجال الحيوي والتحسب للحظة مواجهة مفترضة، على غرار أزمة هرمز. وفي هذا الصدد، كان من المأمول أن يوسع الباحثان أفق مقاربتهما لمضيق ملقا ليصبح بؤرة تحليل واستشــراف لمآل الســباق، المعلن والخفــي فــي نفس الآن، بين الولايات المتحدة والصين. فمضيق ملقا ســيتلون في المستقبل بلون القوة العالمية التي ستتصدر النظام الدولي. أخيــرًًا، تطرح خلفيــات المقاربة في هذا الكتاب، وفي معظم الدراســات الغربية، إشــكالية الموقــع والموقــف. دون محاكمة للنوايــا، يفكر الباحثــون الغربيون في إشكالية المضايق الحيوية المتمركزة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا بمنظار مشوب بالمركزية حين يطرحون كســؤال محوري، تصريح ًًــا أحيانًًا وإضمارًًا أحيانًًا أخرى، سؤال البديل الممكن للتحرر مما يصنع قوة فاعلين إقليميين خارج أوروبا وأميركا.

Made with FlippingBook Online newsletter