43 |
مقدمة تبدو الجغرافيا في الشــرق الأوســط أكثر من خلفية للأحداث. إنها عنصر فاعل في صناعة القرار، ومصدر دائم للقلق، ومرآة عميقة لفكرة الدولة عن نفسها. في لحظات الاســتقرار، تبدو الحدود وكأنها خطوط قانونية ثابتة. أما في لحظات الانهيار، فإن الحدود تكشــف هشاشــتها، وتعود الجغرافيا إلى مركز السياسة. هذا ما حدث بعد انهيار الدولة الســورية، وبعد حرب غزة، وبعد تآكل الردع التقليدي بين إســرائيل وإيران، وبعد اتساع دور الممرات والطاقة والميليشيات في تحديد وزن الدول. طوال العقود الثلاثة الماضية ســاد اعتقاد واســع بأن العولمة والتكنولوجيا العسكرية المتقدمــة وشــبكات الاقتصاد العالمــي قلََّصت أهمية الجغرافيا في تشــكيل القوة. غير أن الحروب التي شــهدها الشرق الأوســط خلال العقد الأخير تشير إلى اتجاه مختلف. فالممرات البحرية، والمضائق، والمناطق العازلة، وسلاسل الإمداد، والعمق الإستراتيجي عادت لتصبح عناصر حاسمة في حسابات الأمن والنفوذ. لا تمثل إيران وإسرائيل استثناء لهذه العودة، إنما تكشفان عن أحد أكثر تجلياتها وضوحًًا. . فالدول التي ظنََّت أنها قادرة على إدارة السياسة من " انتقام الجغرافيا " هنا يظهر معنى خلال القوة وحدها وجدت نفسها محكومة بالتضاريس، والعمق، والكثافة السكانية، والممــرات، والفراغــات الأمنية. الجغرافيا تمنح الــدول فرص ًًا، لكنها تفرض عليها أثمانًًا: تمنح إيران عمقًًا آســيويًّّا وموقعًًا عقديًّّا بين الخليج وآســيا الوسطى والقوقاز والمشــرق، لكنها تضعها في مواجهة دائمة مع هويات وحدود ومضائق ومنافســين. وتمنح إسرائيل تفوقًًا عسكريًّّا وتكنولوجيًّّا، لكنها تضعها داخل مساحة ضيقة محاطة بجبهات مفتوحة وسكان غير خاضعين نهائيًّّا لمنطق السيطرة. تنطلــق الورقة مــن فرضية مفادها أن إيران وإســرائيل تمــثلان نموذجين مختلفين لمحاولة تجاوز القيود الجيوسياســية التي تفرضها الجغرافيا، إلا أن أنماط التوســع التي اعتمدها الطرفان أعادت إنتاج هذه القيود بصورة جديدة. فإيران سعت إلى بناء عمق إســتراتيجي عبر الشبكات والممرات والوكلاء، بينما سعت إسرائيل إلى إنتاج الأمن عبر السيطرة المكانية والمناطق العازلة وإعادة تشكيل الحدود. وفي الحالتين، تحولت الجغرافيا من أداة للقوة إلى مصدر متجدد للقيود والاستنزاف، وهو ما يفسر
Made with FlippingBook Online newsletter