لباب-العدد 32

63 |

خامنئي منحت إســرائيل نافذة تاريخية استثنائية قصيرة لتثبيت وقائع يصعب عكسها لاحقًًا، وهو ما يفســر لماذا تســارعت قرارات الضم في الضفة تحديدًًا في الأسابيع ا بالحرب على إيران، لا قبلها ولا بعدها. التي كان فيها العالم منشغلًا الفارق الجوهري بين العقلين يكمن هنا: صانع القرار الإيراني ينطلق من سؤال حول موقع إيران داخل التاريخ؛ فمنذ سقوط الشاه وحتى اليوم، تشك ََّلت داخل المؤسسة الإيرانية قناعة راســخة بأن إيران ليســت دولة عادية في الشرق الأوسط، وإنما مركز حضاري يمتلك حقًّّا طبيعيًّّا في التأثير داخل المجال الممتد من الخليج إلى المتوسط وآسيا الوسطى. لهذا لا تنظر طهران إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن بوصفها ملفات خارجيــة منفصلة، وإنمــا بوصفها حلقات ضمن فضاء إســتراتيجي واحد؛ وعندما تتعــرض إحدى هــذه الحلقات للاهتزاز -كما حدث بالتتابع في ســوريا ولبنان ثم داخل إيران نفسها- يشعر صانع القرار بأن الخلل أصاب بنية الأمن القومي ذاتها لا حليفًًا هامشــيًّّا. هذه الرؤية تفســر استعداد إيران لتحمل عقوبات هائلة وكلفة بشرية غير مسبوقة مقابل الحفاظ على مواقع نفوذها؛ فالقضية في نظرها لا تتعلق بحليف هنا أو ميليشيا هناك، بل بصورة إيران عن ذاتها كقوة مركزية في الإقليم، وهي صورة لم يُُبطلها اغتيال خامنئي بقدر ما اختبرها بقسوة. أما العقل الإســتراتيجي الإســرائيلي فهاجسه الأساسي ليس استعادة مجال حضاري تاريخي، وإنما إدارة الخوف من المســتقبل. فمعظم النخب الأمنية الإســرائيلية تنظر إلى الشــرق الأوســط بوصفه بيئة متقلبة لا يمكن الوثوق باستقرارها حتى في لحظة . لذلك تتشكل السياسات حول مبدأ منع ظهور 1967 تفوقها العسكري الأوضح منذ التهديد قبل أن يتبلور، لا حول تســوية دائمة تُُغلق ملف الأمن نهائيًّّا. من هنا نفهم لمــاذا تتحول المناطق العازلة إلى قواعد، ولماذا تتحول الخطوط المؤقتة إلى وقائع دائمة، ولماذا تُُفض ِِّل إسرائيل توسيع مجالها الأمني باستمرار حتى بعد تحقيق أهدافها المعلنة. في التفكير الإسرائيلي السائد لا توجد حدود نهائية للأمن؛ لأن الأمن نفسه يُُعرَّّف بوصفه عملية استباق مستمرة لا حالة نهائية تُُبلغ ثم تُُدار. وهنا يصبح التوسع نتيجة طبيعية لطريقة التفكير أكثر من كونه مجرد قرار سياســي ظرفي؛ وهو ما يفسر لماذا لم يتوقف التوسع حتى بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني وتفكك جزء كبير من محور المقاومة، بل تسارََع.

Made with FlippingBook Online newsletter