لباب-العدد 32

| 64

سادس ًًا: الجغرافيا وتفاوت القدرة على تشكيل التوازنات الإقليمية ليس إلا الاسم الحديث " انتقام الجغرافيا " يمكن الاعتراض هنا بأن ما تسميه الورقة لمعضلة الأمن الكلاسيكية: كل بحث عن عمق أو حزام عازل يقرؤه الخصم تهديدًًا فيرد بتوسع مماثل، فتدور حلقة الفعل ورد الفعل من دون حاجة إلى الجغرافيا متغيرًًا ). والاعتراض وجيه جزئيًّّا: يمكن تفسير قدر من السلوك الإيراني بمنطق 50 حاكم ًًا( شرعية النظام واقتصاد العقوبات أكثر من تفسيره بإرث الهضبة، كما يمكن رد جانب .) 51 من السلوك الإسرائيلي إلى موازنة التهديدات لا إلى ضيق المساحة وحده( غير أن هذه التفسيرات المنافسة تكمِِّل الجغرافيا ولا تلغيها، وذلك لسببين تحليليين ا : معضلــة الأمن تشــرح آليــة التصعيد لكنها لا تشــرح لماذا تترك ََّز محدديــن؛ أولًا المواجهــة تحديدًًا علــى الممرات والمضائق والمناطق العازلــة، لا على أي متغير آخر قابل للتصعيد المتبادل. اختيار الســاحة نفســها -جنوب سوريا، وجنوب لبنان، ومضيق هرمز، والضفة الغربية- هو اختيار جغرافي بامتياز يســبق منطق الفعل ورد الفعل ويحدد شــكله. ثانيًًا: تفسير شرعية النظام يشرح الدافع الداخلي للتوسع لكنه لا يشرح خريطة انتشاره: لماذا اختارت إيران تحديدًًا العراق ولبنان واليمن دون آسيا ا رغم وجود جاليات وروابــط تاريخية هناك أيض ًًا؟ الإجابة تكمن في الوســطى مثلًا القرب الجغرافي والاتصال البري لا في حســابات الشرعية وحدها. تبقى الجغرافيا، إذن، شرطًًا ضروريًّّا غير كاف ٍٍ: تُُحدد قائمة الخيارات الممكنة وكلفة كل منها، بينما قد ََر ًًا " الانتقام " تحسم العوامل الأخرى أي الخيارات يُُنتقى. وبهذا المعنى لا يكون يُُلغي الإرادة، بل بنية تجعل بعض القرارات أرخص وبعضها أبهظ. على صعيد آخر، المثير للاهتمام أن إيران وإسرائيل، رغم عدائهما الظاهر، تتحركان وفق منطقين تاريخيين متشابهين بصورة غير متوقعة. كلتاهما تنظر إلى نفسها بوصفها وريثــة قصة تاريخية أكبر من الدولة الحديثة. إيران تســتدعي ذاكرة الإمبراطوريات الفارســية، وإســرائيل تســتدعي ذاكرة العودة إلى الأرض التاريخية وإعادة تجميع المجــال اليهــودي. في الحالتيــن، تتحول الجغرافيا إلــى أداة لإثبات صحة الرواية التاريخيــة. ولذلك فإن الصراع بينهمــا ليس صراع نفوذ تقليديًًّا فقط بل صراعََا بين سرديتين تاريخيتين تحاول كل منهما إعادة تشكيل الخريطة بما ينسجم مع تصورها للماضي والمستقبل.

Made with FlippingBook Online newsletter