لباب-العدد 32

| 68

ما يحدث هو أن الشــرق الأوســط ينتقل ببطء من عصر الصراع على الأرض إلى عصر الصراع على الوظيفة. الســؤال لم يعد: من يســيطر على هذه المنطقة؟ بل: ما الدور الذي ســتؤديه هذه المنطقة داخل الاقتصاد العالمي وشبكات التجارة والطاقة والتكنولوجيــا؟ الدولــة التي تنجح في احتلال موقع محوري داخل هذه الشــبكات ستحصل على نفوذ يفوق بكثير ما تمنحه السيطرة العسكرية المباشرة. ولهذا السبب فــإن المعركة الحقيقية خلال العقد القــادم قد لا تكون على الحدود الحالية، وإنما على من يمتلك القدرة على تحويل الجغرافيا إلى وظيفة إستراتيجية لا يستطيع العالم الاستغناء عنها. وهنــا تحديــدًًا يظهر المعنى الأعمق لانتقام الجغرافيــا. فالانتقام لا يتمثل في عودة الخرائط القديمة أو في توسع دولة على حساب أخرى فقط. الانتقام الحقيقي يتمثل فــي أن الجغرافيــا تعيد ترتيب أولويات الجميع وتجبرهم على العودة إلى الأســئلة الأساســية: من يســيطر على الممرات؟ من يربط القارات؟ من يدير التدفقات؟ ومن يستطيع تحويل موقعه الجغرافي إلى مصدر دائم للقوة؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد شكل الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة أكثر من أي معركة منفردة أو اتفاق مؤقت. 2026 و 2025 ثامنًًا: المسارات المستقبلية بعد حربََي أكثر قدرة على فرض الجغرافيا بالقوة. لديها تفوق 2025 قد تبدو إسرائيل في لحظة عسكري، ودعم أميركي واسع، وتكنولوجيا مراقبة، وقدرة على تنفيذ عمليات جوية بعيدة من ســوريا ولبنان إلى إيران. فقد تلقت إســرائيل منذ اندلاع حرب غزة في مليار دولار من المســاعدات العسكرية الأميركية. 21 . 7 ما لا يقل عن 2023 أكتوبر ) لكنها تواجه معضلة جوهرية: كل توســع بري يولد ســكانًًا غاضبين، وجبهات 60 ( أطول، وكلفة أمنية مســتمرة. المنطقــة العازلة لا تلغي الخطر، إنها تدفعه إلى عمق جديد. والاستيطان لا ينهي الصراع، إنه يحوله إلى بنية يومية من الاحتكاك. والخط الأصفر في غزة قد يتحول إلى حدود عســكرية، لكنه ســيبقى محاطًًا بسكان فقدوا بيوتهم ومجالهم الطبيعي للحياة. أما إيران، فإن مســتقبلها يعتمد على قدرتها على الانتقال من نفوذ الميليشــيات إلى نفــوذ الدولة. إذا ظلت تعتمد على الجماعات المســلحة وحدها، فســوف يتراجع

Made with FlippingBook Online newsletter