لباب-العدد 32

69 |

نفوذها كلما ازدادت كلفة الحروب بالوكالة. وإذا استطاعت تحويل موقعها إلى مركز للتجارة والطاقة والربط بين آسيا الوسطى والخليج والمشرق، فقد تستعيد جزءًًا من قوتها بطريقة أقل اســتنزافًًا. المشــكلة أن النظام الإيراني بنى شرعيته الخارجية على الصراع، بينما تحتاج المرحلة المقبلة إلى اقتصاد، وممرات، وتسويات، وقدرة على تخفيف العداء الإقليمي. وفي ضوء مذكرة إسلام آباد ومآلات الجبهة اللبنانية، يمكن استشراف ثلاثة مسارات، لكل منها متغير حاكم مختلف. المســار الأول هو استمرار التوسع المتبادل المُُدار: إســرائيل تعم ِِّق مناطقها العازلة وتؤسس ضم ََّها الزاحف في الضفة، وإيران تعيد بناء شبكتها بصيغة كونفيدرالية أكثر سرية ولا مركزية بعد تجربة الاغتيال القيادي. المتغير الحاكم لهذا المســار هو الوقائع الميدانية، ومنطقه يتعلق بفرض رؤية أحادية تتقدم فيها إسرائيل بصفتها الطرف الأقدر حاليًّّا على تثبيت الأرض عسكريًّّا وقانونيًّّا معًًا. المسار الثاني هو توازن استنزاف طويل الأمد يبقى فيه الطرفان قادريْْن على الإضرار ببعضهمــا دون قــدرة أي منهما على فرض نظام إقليمي مســتقر، عبر صعود أدوات الردع غير المرئي: ســيبراني، واســتخباري، وصاروخي، ونووي كامن بعد أن أثبتت الحــرب الأخيرة صعوبة القضاء الكامل علــى البرنامج النووي الإيراني رغم حجم ا عن فرض نظام. الضربة. لا فائز في هذا المسار بل عجزًًا متبادلًا المســار الثالث هو إعادة تعريف النفوذ عبر التحول من السيطرة العسكرية المباشرة إلــى التحكم بالممرات والطاقة وإعادة الإعمــار، وهو الأكثر عقلانية اقتصاديًّّا لكنه يحتاج تسويات سياسية عميقة ما زالت شروطها ضعيفة بعد حرب دمََّرت جزءًًا كبيرًًا من البنية التحتية الإقليمية، ومســتفيده المحتمل من يملك تحويل موقعه إلى وظيفة لا يُُســتغنى عنها اقتصاديًّّا، وهنا تدخل تركيا والخليج بوزنهما الاقتصادي-الوظيفي ، بل نقضته الوقائع الميدانية بوضوح. 2026 تحديدًًا، لا بوزن عسكري لم تثبته حرب خاتمة لا يتشــكل الشرق الأوســط الجديد عبر خريطة واحدة بل عبر تفاعل ثلاث خرائط متداخلة: خريطة الخوف الإسرائيلي التي تريد تحويل الانكشاف إلى هندسة حدودية دائمــة، وخريطــة العمق الإيراني التي تريد تحويل الشــبكة إلى ردع قابل للبقاء بعد

Made with FlippingBook Online newsletter