لباب-العدد 32

| 70

انهيار بعض حلقاته، وخريطة الفراغ العربي التي تتحول فيها الدول المنهارة والغنية والمحدودة السيادة على السواء إلى المجال الذي تُُختبر فيه الرؤيتان الأولى والثانية. لهــذا الســبب لا تــدور المواجهة المقبلة حول غزة أو لبنان أو ســوريا أو البرنامج النــووي فقط بل حــول من يملك حق تعريف المجال الإقليمي: هل تكون الحدود نتاج القانون الدولي، أم نتاج القدرة على تثبيت الوقائع؟ وهل تكون السيادة وظيفة للدولة الوطنية أم مســاحة تفاوض بين الجيوش والوكلاء والممرات والاستخبارات والتكنولوجيا؟ ا لأي طرف. فقد دفعت إيران، عبر عامين غير أن انتقام الجغرافيا لا يمنح نصرًًا كاملًا ونصف من الاســتنزاف المتواصل واغتيال مرشــدها الأعلى، ثمنًًا غير مســبوق منذ لاتســاع شبكتها، من دون أن يفك ِِّك ذلك حضورها الإقليمي كليًّّا. وإسرائيل، 1979 رغم تفوقها العســكري الكاســح الذي تُُو ِِّج باغتيال رأس الدولة الإيرانية، تدفع ثمنًًا سياســيًّّا وأخلاقيًّّا وقانونيًّّا متصاعدًًا لاتســاع سيطرتها، وســط رأي استشاري دولي صريح يصف استمرار احتلالها بعدم المشروعية. كلما اتسع المجال، ازدادت صعوبة الحكم، وكلما تمددت القوة خارج حدودها، احتاجت شــرعية لا توفرها الصواريخ ولا الغارات الجوية ولا الحلفاء المسلحون وحدهم. ستُُبقي طهران على حلفائها، لكنها ستعيد توزيع أدوارهم وتخفف مركزية الجغرافيا الســورية، وتمنح الصواريخ والمســيََّرات والقدرات السيبرانية والنووي الكامن وزنًًا أكبر في معادلة البقاء. هنا يتحول المشــروع الإيراني من توســع إقليمي متصل إلى هندســة طبقات ردع متباعدة: طبقة فــي العراق، وطبقة في اليمن، وطبقة في لبنان، وطبقة داخل إيران نفسها. هذه ليست نهاية النفوذ الإيراني، وإنما بداية نسخته الأكثر حذرًًا وخشــونة في الوقت ذاته. وهذا بالضبط ما يحســم السؤال النظري الذي ط ُُرح مبكرًًا: فالجغرافيا لم تُُبطل عقيدة الدفاع الأمامي، لكنها فرضت عليها كلفة لم تُُصم َّّم ا في تجاوز القيد بقدر ما لتحم ُُّلهــا، وهو ما يعنــي أن انتقام الجغرافيا هنا ليس فشلًا هو كشــف عن سقفه الحقيقي بعد عقدين من إخفائه. أما إسرائيل، فتتصرف وكأنها دخلت مرحلة تثبيت المكاسب قبل عودة التوازن؛ فهي تدرك أن لحظة ضعف إيران ا ، ولذلك تسعى إلى تحويل التفوق العسكري المؤقت وحلفائها قد لا تســتمر طويلًا إلى حقائق مكانية أطول عمرًًا.

Made with FlippingBook Online newsletter