لباب-العدد 32

| 72

الإيراني، وتحوُُّل الاحتلال الإســرائيلي في لبنان إلى واقع بمســاحة تقارب خُُمس الأراضي اللبنانية، والانتقال الإســرائيلي في الضفــة الغربية من الأداة العمرانية إلى الأداة القانونية. وتقر هذه القراءة، مع ذلك، بحدودها: فالبيانات الصادرة عن أطراف متحاربة أثناء نزاع فعلي تحمل درجة من عدم اليقين لا يمكن حسمها بحثيًّّا، ومسار التفــاوض على الملف النــووي الإيراني ما زال مفتوح ًًا عند إغلاق باب البحث في ، ونتائج الانتخابات الإســرائيلية المقــررة أواخر العام قد 2026 مطلــع يوليو/تموز تعيد تشكيل بعض هذه المعطيات. هذه الحدود لا تُُضعف الأطروحة البنيوية لكنها تُُبقي الحاجة قائمة لتحديث الطبقة الإمبريقية كلما استجدت وقائع، مع بقاء المنطق الجغرافي الحاكم -كون الحدود القائمة غير كافية لأمن أي من الطرفين- ثابتًًا نسبيًّّا عبر تعاقب الأزمات. ختامًًا، خلال العقود الماضية ســاد الاعتقاد بــأن العولمة والتكنولوجيا والردع بعيد المــدى خففــت من أهمية الجغرافيا. غير أن حروب العقد الأخير تشــير إلى اتجاه معاكس: فالممرات البحرية، والمضائق، وشبكات الطاقة، والمناطق العازلة، والعمق الإســتراتيجي عادت لتصبح عناصر مركزية في حســابات القوة. لا تكشــف إيران وإســرائيل عن اســتثناء إقليمي بل عن عودة عالمية للجغرافيا بوصفها محددًًا رئيسيًّّا للأمن والنفوذ. ومستقبل المنطقة لن يتحدد بسؤال: من يملك القوة الأكبر؟ فحسب، بل بسؤال: من يستطيع تحويل هذه الجغرافيا من عبء أمني إلى نظام سياسي قابل للحياة؟ إسرائيل قد ترسم خطوطًًا جديدة، لكنها ستبقى أمام سؤال السكان والشرعية الدولية. وإيران قد تعيد بناء شــبكاتها، لكنها ســتبقى أمام ســؤال الاقتصاد المنهك والدولة المتصدعة داخليًّّا. وبين الحالتين تقف الدول العربية -من ســوريا المنهارة إلــى الخليج الغني إلى الأردن ذي الســيادة المحــدودة جغرافيًّّا- أمام تحد مصيري واحد: إما أن تبقى فراغًًا تســتثمره القوى الإقليمية المتحاربة، أو تتحول إلى فاعل يـ ّا حقيقيًّّا يعيد تعريف حدوده وممراته ومصالحه قبل أن يرســمها � يملــك ردعًًا ذات الآخرون نيابة عنه فوق أراضيه.

Made with FlippingBook Online newsletter