أوراق تراثية
«البو» و«المجدار» من حيل التراث العربي ََُّْف ِِي الخ ِِد ََاع البََصري والر ِِّض ََا الن ََّف ْْس ِِي
ففي الحقول الزراعية، يُُستخدم جندي المقاتة أو الفزاعة لإبعاد الطيور والحيوانات عن المحاصيل. وهو ي ُُصنع عادة من ملابس قديمة محشو ََّة بالقش أو أي مواد أخرى، ويُُوضع في مكان بارز في الحقل. كما أنََّه في بعض الأحيان، يُُستخدم جندي المقاتة لإعطاء انطباع بوجود حراسة أو مراقبة في مناطق معينة، مثل المخيمات أو الممتلكات الخاصة، ويمكن أن يكون ذلك لردع اللصوص أو المتطفلين. كما يُُمكن استخدام جندي المقاتة كإشارة تحذيرية في مواقع البناء أو الأماكن الخطرة لتنبيه الناس بضرورة الابتعاد عن المنطقة. التقاليد والثقافات في ظل الحاجة يستطيع كل إنسان في بيئته إنتاج وصناعة حيلته التي من خلالها يأخذ الأبصار ويرضي النفوس، وفي الوقت ذاته يحمي مقدراته من العبث واللصوص. وفي العديد من الثقافات، يُُعتبر جندي المقاتة رم از شعبيا يظهر في الفلكلور والأدب. مثلاًً، في الثقافة الغربية، تُُعد الفزاعة شخصية معروفة في القصص والخرافات. وعادة ما يُُصنع جندي المقاتة من مواد متوافرة مثل: الخشب، تُُضاف عناصر أخرى ا � والقش، والملابس القديمة، وأحيان لجعله يبدو أكثرواقعية، كما يتم تصميمه ليشبه الإنسان قدر الإمكان، وذلك لتعزيز تأثيره في إبعاد الطيور والحيوانات، وقد يكون له قبعة، وملابس، وذراعان ممدودتان.و(جندي المقاتة) أو (الم ِِج ْْد ََار ُُ) هو مثال رائع على كيفية استخدام أدوات بسيطة ومواد متوافرة لخلق حلول عملية لمشكلات يومية، من خلال الجمع بين الإبداع والتقنيات التقليدية. كذلك يعكس استخدام (البََو والمِِج ْْدََار) في تراثنا العربي قدرة هذا المجتمع قديما على التكيّّف مع الظروف الصعبة في استخدامه الحيل البصرية لتحقيق الأهداف. كما أن القدرة على التكيّّف، تعكس المرونة التي تولدها الحاجة ودوافع الابتكار في إيجاد حلول للمشكلات. ِمُُنا تجربة (البََوّّ) في التراث العربي أهمية الإبداع في �ِّ كما تُُعل مواجهة الأزمات، بدلا من الاستسلام للفقد؛ حيث تلهمنا إلى البحث عن حلول لتعويض الفقد والاستمرار في الحياة، كما أنها تعزز الفهم الجماعي لأهمية الابتكار والتكي ّّـف في مواجهة التحديات.
محمد محمد عيسى يُُعد الخداع البصري مصطلحا حديثا جدا بمقارنته بكثير من مفاهيم تم التعرف إليها قديما وهي تؤدي إليه في الغالب، ولكن لم يُُصط ََلح عليها إلا مؤخ ارًً، مثل كثير من المكتشفات الحديثة التي اعتمدت التجربة والاستنتاج آلية للاصطلاح. وعلى الرغم من تعدد استخدامات الخداع البصري في كثير من شؤون الحياة؛ فإن من أهم الأهداف المرجوّّة منها خلق انطباع معين يحقق مكتسبات نفسية واستراتيجية. وقد حاولت بعض الشعوب قديما إيجاد بديل يقوم مقام المفقود أو الغائب، حتى تتوصل إلى تعويض يُُرضي النفس ويحمي مقدََّراتها. وقد توصلت العرب قديما إلى إيجاد حيلة أو وسيلة لتعويض (الناقة) التي فقدت ِل إليها أنّّه ما زال حياًً؛ �ِّ فصيلها بأن أقاموا مقامه ما يُُخََي تبنا أ ََو حشيشا أ فصنعوا لها (بو ّّا ًً)، و«البو: جلد الح ُُوار ي ُُم ْْل َأ ، ويُُقالُُ: «جََلََّدت البََو ) 1 ( وََيقرّّب إِِلََى أمه لترأمه فتدر عََلََيْْه» ، «والجََلََد والجِِلْْدُُ: ما تُُعْْطف ) 2 ( تجليدا أي حشوته بالتبنِِ» . ) 3 ( عليه الناقََة فََتََرْْأََمُُه. وشاة ج ََلََد وج ََلََد ََةٌٌ: إذا مات وََلََد ُُها» «والبََو ُُّ... جلد يُُحشى فتعطف عليه الناقة ) 4 ( وجاء في الإبانة بشمه». قال الفرزدق: ِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن بِِزََوْْرََاء المدينــــــــــــــــــــــــــــــة نََاقََتِِــــــــــــــــــــــــــــــــي ِِت ََح ُُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــول تََبْْتََغِِي البََــــــو رائِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم حََنِِين عََج وقولهم: فلان َبَو ٌّّ، معناه أنه ذو جسم وطلل وليس له باطن ولا عقل. والبو عند العرب أن يُُذبح الفصيل فيسلخ برأسه وقوائمه ثم يُُحشى تبنا لتعطف عليه أمه وتشمه ولا تنكره وتدر عليه ِِحتى لا ينقطع لبنُُها. قالت الخنساء: ٍ تُُطِِيــــــــــــــــــــــــف بِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــه �ٍّ َُُفَمََــــــــــــــــــــــــا ع ََجول علـــــــــــــــــــى َبَو لهــــــــــــــــــــــــــــــا ح ََنِِينــــــــــــــــــــــــان إصغــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــار وإكبــــــــــــــــــــــــار ِِوي ُُر ْْوََى: ٍ تُُطِِيــــــــــــــــــف بِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــه �ٍّ فََمََــــــــــــــــــــــــا ع ََجــــــــــــــــــــــــول على َبَو قد ساعدتهــــــــــــــــــــــــا على التََّحنــــــــــــــــــــــــان أظــــــــــــــــــــــــــــــــــــآر
(و) العجول من الإبل: الواله التي فقدت ولدها... وأظآرواحدها ظئر، وهي التي تعطف على ولد ليس لها». فيبدو البو وكأنََّه حي. يُُستخدم لتغذية الناقة التي فقدت صغيرها، حيث ي ُُعززارتباطها النفسي به وي ُُحفزها على الاستمرار في إنتاج اللبن. بهذا الشكل، يحقق (البو ُُّ) غرضين رئيسيين، هما: تعويض الفقد وتعزيز الحياة. فليس البو مجرد وسيلة لتعويض الفقد، بل هو أداة تساعد على التكيّّف مع الفقد، تعكس قدرة الكائنات على التكيف والتعافي من الأزمات والمصاعب. الم ِِج ْْد ََارُُ/ج ِِنْْد ِِي الْْم ََق ََاتََة وكما توصلت العرب إلى إيجاد حيلة لكي تواصل بها الناقة ُُر إدرارلبنها وإرضاء نفسها؛ فقد صنعوا المجدارأيضا ًً، والم ِِج ْْد ََا أو (جندي المقاتة) هو عبارة عن هيكل أو خيال مصنوع من الأحطاب أو مواد مشابهة، يُُستخدم لإبعاد الناس أو الحيوانات عن مكان معين. وي ُُستعان به كأداة للتحذيروالتنبيه، وي ُُعد من الوسائل التقليدية التي استُُخدمت في العديد من الثقافات لأغراض متعددة. وقد عرفت العرب الم ِِج ْْد ََار قديما مثل البو، وجاء في (أساس البلاغة) للإمام الزمخشري: «ونصب خياًلا في . ) 5 ( مزرعته وهو الفزاعة» وجاء في (شرح ديوان الحماسة) للتبريزي في بيان معنى ِِ(المِِج ْْد ََار)، الوارد ذكره ضمن قول ٍٍ، في باب مذمة النساء: ِبََاع فِِي الْْمزََارِِع، فََإِِذا نُُصب قََاِئِما �ِّ والمِِج ْْدََار مََا يعْْمل لطرد الس نفرت مِِنْْهُُ، وكُُنّّي بِِه عََن الثّّقل والغِِلََظ وََإِِن كل إِِنْْسََان ينفر . وجاء في معجم «متن اللغة» أن «الم ِِج ْْد ََار ما ي ُُنصب ) 6 ( م ِِن ْْه ََا» أحمد تيمور، في ، وعرََّفه ) 7 ( ِباع والطير» �ِّ في الزرع مزجرة للس معجمه الكبيرفي الألفاظ العامية، بأن ََّه «ما ي ُُقام شبه شخص . كما عُُرف بعد ذلك باسم (جندي المقاتة)، ) 8 ( ليفزّّع الطير» وتعد ََّدت الاستخدامات التي من شأنها ص ُُنع جندي المقاتة. ِِاِِص ْْرِِمِِينِِي يََا خ ِِلقة الْْمِِج ْْد ََار وََص ِِلِِينِِي بِِط ُُول بُُعد المزار
هذا فضلا عن الأهمية الاستراتيجية، حيث يساعد إعمال الذهن في إنتاج البدائل في الحفاظ على الإنتاجية وبالتالي موارد المجتمع، كما أن التفكير في تعويض الفقد والأمن بالبحث عن آليات مناسبة يحمي كذلك المقدرات الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ يضمن استمرار الإنتاج ويحد من الخسائر
كاتب وناقد مصري
الهوامش والمراجع: ، 1 . ابن دريد: جمهرة اللغة، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، دار العلم للملايين، ط 1 . 76 / 1 م، 1987 بيروت، لبنان، . الخليل بن أحمد الفراهيدي: كتاب العين، تحقيق: مهدي المخزومي، وإبراهيم 2 . 81 / 6 السامرائي، دار ومكتبة الهلال، (د. ت)، . الصاحب، إسماعيل بن عباد: المحيط في اللغة، تحقيق: محمد حسن آل 3 . 46 / 7 م، 1994 ، بيروت - لبنان، 1 ياسين، عالم الكتب، ط . سََلََمة بن مُُسْْلِِم العََوْْتبي الص ُُحاري: الإبانة في اللغة العربية، تحقيق: عبد 4 ، مسقط - سلطنة 1 الكريم خليفة وآخرون، وزارة التراث القومي والثقافة، ط . 267 /2 م، 1999 ع ُُمان، . الزمخشري: أساس البلاغة، تحقيق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب 5 . 275 /1 م، 1998 ، بيروت - لبنان، 1 العلمية، ط . 418 /2 . التبريزي: شرح ديوان الحماسة، دار القلم، بيروت، لبنان، (د. ت)، 6 . أحمد رضا: معجم متن اللغة (موسوعة لغوية حديثة)، دار مكتبة الحياة، 7 . 487 /1 ه، 1380 1377- بيروت، لبنان، . أحمد بن إسماعيل بن محمد تيمور: «معجم تيمورالكبيرفي الألفاظ العامية»، 8 ، القاهرة، مصر، 2 تحقيق: حسين نص ّّار، دار الكتب والوثائق القومية، ط . 3/51 م، 2002
103
102
2024 أغسطس 298 / العدد
«البو» و«المجدار» من حيل التراث العربي ف ِِي الخ ِِد ََاع البََصري والر ِِّض ََا النََّفْْس ِِي
Made with FlippingBook - Share PDF online