جلساء التراث
قراءة في رواية «ريما بالي» «خاتم سليمى».. طرح علاقة الثنائيات والتناقضات
إدراكها من خلال القراءة، والثانية مُُتوق ََّعة من طرف القارئ أو هو ص ََانع لها. في ذلك قد يلتقي القارئ مع المؤلفة، التي وصفت روايتها في حوار صحفي بأنها عبارة عن «بحث يدور حول حقيقة كل من تلك العناصر التي تحكم حياتنا، بل هي بحث في مفهوم الحقيقة بحد ذاته، وجوده من عدمه، وفي أجزائه، نقصانه واكتماله، وختاما هي دعوة إلى صياغة أسطورتنا الخاصة ، وهذا يعني طرح فهم خاص، سيتعدد ) 5 ( وتحقيق النبوءات» بتعدد رؤى الفاهمين، والقرّّاء بشكل عام. ولكون ريما بالي أشركت القارئ في عالم سردي تتنافس فيه الحقيقة مع الخيال حيناًً، وتصطدم به أحيانا أخرى، فإنها جعلت من تسليمه بهذا العالم وقوانينه طريقا إلى اكتشاف سر «الخاتم» العجيب، في علاقته بص ََاِحِبََتِِه، ووجوده معها أو بعيدا عنها، لدرجة بدا فيه زمان ومكان الخاتم في بعض المحطات الكبرى والحاسمة مختلفين عن زمان البطلة ومكانها، لهذا يمكن اعتبار الخاتم أحد الأبطال الفاعلين في الرواية، ما يعني تحويل «المادي» إلى «معنوي»، وإخراجه من «الشيئية» إن جازالتعبير، إلى «الروحانية» من خلال الأحداث التي تمّّت روايتها هنا. من ناحية أخرى، فإن السرد بما حمله من تراث، ومن ماضوية، ومن علاقة بين البشر والأمكنة، ومن وصف للتفاعل بين الثقافات عبر حضور آس ِِر للفعل ومعبّّـر عنه بالمشاعر، أزال الحواجز الفاصلة بين عالم الأموات، الذين روت المؤلفة
قصص البشر في ماضيها - مثلما هي في حاضرها - حتى لو كانت حديثا يُُفْْتََرََى، أو ممزوجة بالخرافات والأساطير، أو تحكمها شهادات من التاريخ تتمتع بمصداقية عالية أو مزيفة، هي في النهاية جزء من حياتنا البشرية، علينا النظرإليها بهدف مواصلة السير، والتواصل عبر الحِِقََب، وتثْْوِِير الموروث، إضافة إلى متعة نعيشها عند الكتابة والقراءة، على النحو الذي سنراه عند مجالسة هذا الكتاب الذي بين أيدينا. الخروج من «الش ِِّيْْئيّّة» من خلال جهد مميز، يتجلى فيه الإبداع، تقدم لنا الكاتبة نصّّا ثيرّّا ) 2 ( في روايتها «خاتم سُُليْْمى» ) 1 ( السورية «ريما بالي» بالجوانب الإنسانية الدالة والكاشفة عن التعايش مع الآخر، والاعتراف به حتى لو كان م ُُخ ْْتلفاًً، ضمن فضاء تجمعت فيه وتراكمت، واختلطت، التجارب الحياتية الإنسانية، في سياق عن ) 3 ( كتاباتها الإبداعية كما هي في بعض أعمالها السابقة هذه الرواية. تُُساعدنا هذه الرواية، كما تُُساعدنا الكاتبة ريما بالي، على البحث عن إجابات تبدو لنا ظاهرة كلما توغ ّّلنا في قراءة النص، وحاولنا وُُلُُوج عوالم أبطاله، وشخوصه بشكل عام، ذلك لأنها كما تراها المؤلفة: «رواية التساؤلات عن علاقة الثنائيات والتناقضات، الحب والجذور، التعلق بالوطن والتقاليد، التوق إلى المستقبل وصناعته، التمرد والانصياع، . وتلك الثنائيات تتجلى في نوعين من ) 4 ( التمسك والتخلي» الإجابات، الأولى: نابعة من نص الرواية، حيث يمكن للقارئ
خالد عمر بن ققة ترحل الأماكن معنا حيث نرحل، فتسكننا على مستوى الذكريات والمشاعر، وتحملنا ما لا طاقة لنا به في ظل التغيرات الجديدة، ومع ذلك نجد أنفسنا متجاوبين معها بشكل هو أقرب إلى الطاعة بمعناها القيْْمي، وليس نتيجة للحاجة فقط. والأماكن في أُُلْْف ََتِِها، كما هي في توح ّّشها وطغيانها، تعيد رفع أصواتها عبر نفوس لها حمولتها الثقافية والتراثية، حتى لو حاولنا تجاهلها أو كتمها، استجابة لمتطلبات الزمن الحالي في تجسيده لحركة الحياة البشرية، وما تحمل داخلها من قيم ومواقف. الأمر ذاك، يؤدي أحيانا إلى محاولات يائسة للتخلص منها، ًًا خاصة عندما نصير إلى أمكنة أخرى جديدة، ونََغْْدُُو جزء منها بحكم العلاقات القائمة بيننا وبين أهلها الأصليين، وإن في نطاق ضيق، يسيطر فيه الزمان على ا كان هذا لا يحدث إلّا المكان. الحاُل تلك، قد تكشف لنا عن صعوبة التسليم بما نعيشه، وإذ ذاك نجد أنفسنا في عجز - شبه كامل - ليس لأن الماضي يشد ُُّنا بحبال طويلة إليه فقط، وإنما لأن الحاضر بكل ما فيه هو نتاج واستمرارية أيضا ًً، وهو يتشكل بناء على ميراث مشترك قريب أو بعيد، يُُعتبر في غالبيتِِه استحضا ار للماضي بكل ما ًًا فيه من خلال الوقوف عند محطات بعينها في حياة كنا جزء من مكوناتها. ه ُُنا وجب القول: إن البشر، عموماًً، لا يملكون من أمر الماضي شيئاًً، ليس لأن حركة الزمن في تدافعها وسيرها إلى أجلها غيرالم ُُس ََم ََّى عندنا فقط، هي مثل المستقبل من ناحية الحكم عليه أيضاًً، ولكن لأنه في بُُعده يخص أقواما وأمما خلت - لها على المستوى المعرفي ما كسبت، وعليها ما إذا نظرنا إليه من زاوية التفاعل، واعتبارأصحابه ا اكتسبت - إلّا
الغائبين أبطاًلاً، نقيم لهم وزناًً، ونأتي عليهم ذك ارًً، ونسمع لهم رك از ًً، ولهذا يتم التركيزعلى تجاربهم الماضية باعتبارها قصصا من التراث الإنساني.
107
106 قراءة في رواية «ريما بالي» «خاتم سليمى».. طرح علاقة الثنائيات والتناقضات
2024 أغسطس 298 / العدد
Made with FlippingBook - Share PDF online