101 |
مقدمة يشهد النظام الدولي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين تحولات بنيوية عميقة تعكس إعادة تشكل تدريجية لموازين القوة على الصعيد العالمي، في ظل صعود قوى جديدة وتنامــي أدوار الفاعليــن الدوليين خارج المجال الغربي التقليدي. وقد وضعت هذه التحولات أنماط الهيمنة الغربية أمام اختبار متزايد يتعلق بقدرتها على التكيف مع بنية دولية أكثر تعقيدًًا وتعددًًا في مراكز التأثير؛ حيث لم يعد التفوق العسكري أو النفوذ الاقتصــادي كافيين وحدهما لضمان اســتمرار القيادة العالميــة. وتعكس التطورات الراهنــة انتقال النظام الدولي مــن مرحلة الأحادية القطبية التي أعقبت نهاية الحرب البــاردة إلى بنية أكثــر ديناميكية تتوزع فيها مجالات النفوذ الاقتصادي والسياســي والعسكري بين قوى كبرى ضمن شبكة متداخلة من المصالح والتفاعلات. وفي هذا الســياق، برزت مجموعة البريكــس والتحالفات الاقتصادية الإقليمية أطرًًا مؤسســية تســهم في إعادة توزيع النفوذ على المســتوى الدولي، بالتوازي مع تنامي ا صاعدًًا يســعى إلى توســيع اســتقلاله الإستراتيجي وتعزيز دور دول الجنوب فاعلًا مشــاركته فــي آليات صنع القرار ضمن بنية النظام العالمــي. وتتجلى هذه الدينامية في تبني سياســات اقتصادية وتنموية بديلة، وفي محــاولات متزايدة لإعادة تعريف بعــض قواعد الحوكمة العالميــة المرتبطة بالتنمية والســيادة الوطنية. وتعكس هذه التحولات مرحلة جديدة من التنافس الدولي تتداخل فيها أدوات القوة التقليدية مع ). وفي ضوء ذلك، يتوقف 1 أنماط متجددة من النفوذ المالي والتكنولوجي والرمزي( مســتقبل النظام الدولي على قدرة الفاعلين الرئيســيين على إدارة التوازن بين عناصر القوة المادية ومصادر النفوذ غير المباشــر، في ســياق يتجه نحو تعددية دولية أكثر رســوخًًا تعكس تعقيد المصالح وتحول مراكز القوة بين الشرق والغرب والجنوب. ومن ثم، تكتسب دراسة هذه التحولات أهمية خاصة لفهم ديناميات السياسة الدولية واستشراف مآلات الاستقرار في النظام العالمي. وتبرز أهمية الدراســة في قدرتها على تقديم تقييم علمي معمق للانتقال البنيوي في النظــام الدولي، من خلال رصد مؤشــرات تآكل القــوة الغربية وحدود القدرة على الحســم الإســتراتيجي، وفهم أدوات القوى الناشئة في تعزيز استقلاليتها الاقتصادية والسياســية. وعليه، تنطلق هذه الدراسة من الإشــكالية المحورية التالية: كيف يعيد
Made with FlippingBook Online newsletter