العدد 30

| 234

وبناء على ذلك، يمكن التأكيد على الأهمية المحورية للوساطة في تدبير الاحتجاجات، لمــا تتيحه من إمكانيــات لفتح قنوات الحوار بين المحتجين والجهات المعنية. ولا تقتصر هذه الأدوار على الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني فحسب، بل تمتد أيض ًًا إلى مؤسسات دستورية خُُص ِِّصت وظائفها لممارسة الوساطة. ويُُعد ذلك مؤشــرًًا على انفتاح الدولة على آليات مؤسســاتية حديثة تســهم في إرساء فضاءات ديمقراطية قائمة على التوافق والتوازن بين مختلف الأطراف، بما في ذلك الحركات الاحتجاجية والإدارة، من خلال اعتماد مقاربات سلمية وعقلانية تستند إلى القانون وتستحضر المصلحة العامة. خاتمة يتبين من خلال هذا البحث أن الدولة المغربية انخرطت في مسار متدرج نحو تبني ما يمكن تســميته بالتدبير الناعم للحركات الاحتجاجية، من خلال اعتماد حزمة من المقاربات المتداخلة، التي برزت بشــكل لافت كلما تصاعدت ديناميات الاحتجاج في الفضاء العمومي. ويعكس هذا التوجه محاولة لتجاوز حدود المقاربة الأمنية في ا من التوتر والعنف والعنف بعدها الصلب، التي أفرزت، عبر مراحل سابقة، إرثًًا ثقيلًا المضاد، وما رافق ذلك من تداعيات على مستوى حقوق الإنسان. وفــي هــذا الإطار، بــرزت المقاربات البديلــة، القائمة على الحــوار والديمقراطية التشــاركية والسياسات العمومية ومؤسسات الوســاطة، بوصفها خيارات إستراتيجية تســعى الدولة من خلالها إلى عقلنة تدبير الاحتجاجات، بما ينســجم مع متطلبات الاستقرار الداخلي وصورة الدولة في المنتظم الدولي، خاصة في ظل تنامي الوعي بأهمية احترام الحقوق والحريات الأساسية. وقد أسهمت هذه المقاربات، بدرجات متفاوتــة، فــي التخفيف من حدة التوترات والاحتقانــات الاجتماعية، وتعزيز منطق التفاعل بدل الصدام. غير أن هذه الدينامية، على أهميتها، تظل محكومة بجملة من الإكراهات، التي تحد من فاعليتها، من أبرزها تراجع أدوار مؤسسات الوساطة، وضعف انخراط المواطنات والمواطنين في آليات الديمقراطية التشــاركية، إلى جانب الطابع التراتبي الذي يطبع فــي كثيــر من الأحيان إعداد وتنفيذ السياســات العمومية. كما أن آلية الحوار، رغم

Made with FlippingBook Online newsletter