| 276
تثير هذه المقاربة إشكالات نقدية تتصل بتقليل وزن العوامل البنيوية المادية في تفسير الصعود الصيني، مثل تحولات الاقتصاد العالمي وسلاسل القيمة، إضافة إلى تعميم صــورة الغرب بوصفه كتلة متجانســة في التقدير. كمــا يطرح التحليل احتمال قراءة الماضي بمنطق حتمي يحد من استيعاب عناصر عدم اليقين التي حكمت سياقه. مــع ذلــك، يظل هذا الفصل محوريًًّا؛ إذ ينقل النقاش من تحليل الظاهرة إلى تحليل إدراكها، ويؤســس لإطار تفســيري يرى صعود الصين نتاج تفاعل بين قوة صاعدة ونظام دولي تأخر في اســتيعاب تحولها، وتترســخ من خلالــه فكرة أن التحولات الكبرى تُُحدث أثرها الكامل حين تُُفهم متأخرة، وأن فجوة الإدراك تشكل جزءًًا من ديناميات القوة في النظام الدولي. ثالثًًا: أدوات القوة ينتقل التحليل إلى قلب أطروحة الكتاب عبر تفكيك أدوات القوة التي مك ََّنت الصين الاقتصاد " آلان باور " من التحول إلى فاعل يعيد تشكيل موازين النظام الدولي. ويقدم ضمن تصور مركب للقوة، يدمج بين الأبعاد الاقتصادية والإستراتيجية؛ حيث تصبح الســيطرة على سلاسل الإنتاج والتوريد، والتحكم في الموارد والتكنولوجيا، عناصر حاسمة في بناء النفوذ. وبهذا المعنى، تتحول العولمة إلى فضاء تنافسي تُُعاد داخله صياغة علاقات القوة. إلى موقع يتحكم في " ورشــة العالــم " يركــز التحليل على انتقال الصين من موقع حلقات متقدمة من سلســلة القيمة، عبر تطوير القدرات التكنولوجية، وتعزيز البحث والتطوير، وترســيخ الحضور في الصناعات الإســتراتيجية. ويربط باور هذا التحول بإســتراتيجية طويلة المدى جمعت بين توجيه الدولة وديناميات الســوق، بما أتاح الاســتفادة من الانفتــاح الاقتصادي مع الحفاظ على التحكم في مســارات التطور الداخلي. تحتل سلاسل التوريد موقعًًا مركزيًّّا في هذا التصور؛ حيث تُُعرض بوصفها شبكات اعتمــاد متبــادل غير متكافئ، تمتلك فيها الصين قدرة متزايدة على التحكم في نقاط الاختناق. ويُُفهم هذا التحكم أداة لتحويل الاعتماد الاقتصادي إلى نفوذ سياسي قابل للتوظيف في سياقات الأزمات.
Made with FlippingBook Online newsletter