العدد 30

43 |

مقدمة ا ملحوظًًا نتيجة شــهدت طبيعة النزاعات المســلحة خلال العقدين الأخيرين تحولًا التطور المتســارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي. ولم يعد اســتخدام هذه التقنيات مقتصــرًًا علــى المجــالات المدنيــة، مثل التجــارة الرقمية أو الرعايــة الصحية أو المســاعدات الافتراضية، بل امتد بصورة متزايدة إلى المجال العســكري، بما أسهم في إعادة تشــكيل أنماط الحروب المعاصرة وطرح تســاؤلات قانونية وأخلاقية غير ، وهي " الخوارزميات القاتلة " مســبوقة. ومن أبرز تجليات هذا التحول ما يُُعــرف بـ أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تُُســتخدم في عمليات الاستهداف والقتل، وتتخذ قرارات قد تفضي إلى إنهاء حياة إنسان خلال ثوان معدودة، مع حد أدنى من التدخل البشري. ا ميدانيًّّا بارزًًا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في ويُُعد الصراع الأخير في غزة مثالًا ، " لافندر " المجال العسكري؛ حيث استخدمت إسرائيل عددًًا من الأنظمة الذكية، مثل: ، لتحديد الأهداف البشــرية والبنى التحتية، " أين أبي " ، و " مصنع النار " ، و " الإنجيل " و وتنظيم عمليات القصف، وإدارة أنظمة المراقبة الجماعية للسكان. ولا تقتصر وظيفة هذه الأنظمة على توفير البيانات الاستخباراتية أو دعم عمليات التحليل العسكري بل ؛ الأمر " هدفًًا مشروعًًا " تتجاوز ذلك إلى المســاهمة المباشــرة في تحديد من يُُصنََّف الذي يجعلها عنصرًًا مركزيًًّا في منظومة الاستهداف والقتل. ويتميََّز هذا التحول عن المراحل الســابقة فــي تطور الحروب الحديثة بالانتقال من دور الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مســاعدة للقادة والمحللين العسكريين، إلى دور أكثر استقلالية في عملية اتخاذ القرار، بحيث قد يقتصر دور الإنسان على المصادقة الشــكلية على ما تقترحه الخوارزميات. وبهذا المعنى، تبرز ظاهرة جديدة تتمثل في تدخل الأنظمة التقنية في تقرير مصير البشــر بصورة مباشــرة، وبسرعة وكثافة تفوق قدرة الإنسان على التدقيق أو الاعتراض. وتتضاعف أهمية دراســة هذه الظاهرة في الســياق الفلســطيني لاعتبارين رئيسيين: أولهمــا أن قطــاع غزة أصبح ســاحة عملية لاختبار هذه الأنظمــة الجديدة وقياس فاعليتها القتالية، وثانيهما أن نتائج اســتخدامها تنعكس مباشــرة على حياة المدنيين؛ الأمر الذي يجعلها قضية ذات أبعاد أخلاقية وقانونية وإنسانية ملح ََّة.

Made with FlippingBook Online newsletter