العدد 31

| 104

ممكن حين يُُبنى من الميادين التقنية الأقل حساسية، وهشاشته تزداد حين يُُترك رهينًًا للشعارات الكبرى أو للقفز المباشر نحو ترتيبات سياسية ثقيلة. وتبــدو الحاجــة ملح ََّة إلى بناء عقيدة أمنية خليجية مشــتركة، بوصفها تصورًًا عمليًّّا يترجم التضامن السياسي إلى قدرة تشغيلية قابلة للاختبار وقت الأزمة، ويحدد طبيعة التهديــدات، وترتيب الأولويات، وأدوار الدول، ومســتويات الــرد، وآليات القيادة، وحدود العلاقة مع الحلفاء. ويمكن لهذه العقيدة أن تقوم على طبقات مترابطة تبدأ بالدفــاع الجوي والصاروخي المشــترك عبر صورة عملياتيــة موحدة، وإنذار مبكر، وتبادل بيانات في الزمن الحقيقي، ثم تنتقل إلى الدفاع البحري المشترك في حماية الممرات ومكافحة الألغام وتأمين الموانئ، ثم إلى الدفاع السيبراني والمعلوماتي عبر ا ًا مركز خليجي مشــترك يتولى إدارة الهجمــات الرقمية والحملات المضللة، وصول إلى حماية البنية التحتية الحيوية عبر تصنيف موحد للأصول الإســتراتيجية، وخطط طــوارئ، ومخزونات بديلة، وتمارين عابرة للحدود. وبهــذا تتحول العقيدة الأمنية من خطاب عام عن وحدة المصير إلى هندسة عملية للصمود، تربط السماء والبحر والشــبكات والطاقة والمجتمع داخل تصور واحد للأمن الجماعي، وتجعل التكامل ا ًا. أداة تشغيلية لحماية الدولة لا شعارًًا مؤسسيًّّا مؤجل من جانب آخر، يصطدم بناء هذه العقيدة بعقبتين كشــفت الأزمة الخليجية عمقهما: عقبة سياسية تتعلق بحساسية السيادة وحدود استعداد الدول لتفويض جزء من القرار الأمني المشــترك، وعقبة مؤسســية تتعلق بقدرة مجلس التعاون على إنتاج قرارات أمنية ملزمة وســريعة في لحظة الضغط. ويقتضي التعامل مع هاتين العقبتين مســارًًا يـّا يبدأ من المجالات العملية المباشــرة التي يمكن قياس نتائجها وبناء الثقة � تدريج حولها، مثل تبادل الإنذار المبكر، وتوحيد بروتوكولات الدفاع الجوي، وربط مراكز الأمن السيبراني، وتمارين حماية الموانئ والمنشآت الحيوية، ثم ينتقل تدريجيًّّا إلى مستويات أعمق من القيادة المشتركة وقواعد الاشتباك الموحدة. وبهذا تتحول تجربة الأزمة من ذاكرة انقســام إلى دليل عملي على المســار الواجب تجاوزه، أي المسار الذي يسمح للخلاف السياسي بتعطيل البنية الأمنية كلها، ويجعل أمن الخليج رهينة ا من أن يكون نتاج ًًا لمؤسسة قادرة على العمل تحت لتفاوت اللحظة بين الدول بدلًا الضغط.

Made with FlippingBook Online newsletter