العدد 31

105 |

تتمثل مفارقة التكامل الخليجي في أن الأزمات الكبرى قد تفتح نافذة مؤسسية تعجز ســنوات الحوار الهادئ عن إنتاجها. ففي الظــروف العادية تميل الدول إلى ترحيل الملفات الأكثر حساســية، وتغليب الحســابات الوطنية، والركون إلى الوفرة المالية والضمانات الخارجية، بينما تكشــف لحظة الانكشاف الأمني أن ما جرى تأجيله لم يكــن ترفًًا مؤسســيًّّا بل حاجة كامنة تنتظــر الصدمة كي تظهر بكامل ثقلها. ومن هنا قد تكون المرحلة التالية للحرب أكثر أهمية من الحرب نفسها، لأنها ستحدِِّد ما إذا كانت التجربة ستتحول إلى إصلاح إستراتيجي في بنية العمل الخليجي المشترك أم إلى ذاكرة عابرة تفقد زخمها مع عودة الهدوء وتراجع الإحســاس المباشــر بالخطر، كما حدث بعد أزمات سابقة توحدت فيها المواقف مؤقتًًا ثم تراجعت أمام الحسابات الضيقــة. فالرهــان الحقيقــي لا يقوم على إعلان الرغبة فــي التكامل، بل على بناء مؤسســات تجعل هذا التكامل أقل خضوعًًا لتقلب الإرادات السياســية، وأكثر قدرة على العمل عند لحظة الاختبار. خامس ًًا: مستقبل الأمن الخليجي: التحالفات والسيناريوهات يفتح مستقبل الأمن الخليجي بعد الحرب على تحول عميق في ثلاث دوائر متداخلة: دائرة العلاقة مع الولايات المتحدة، ودائرة العلاقة مع إيران، ودائرة العلاقات البينية داخــل مجلــس التعاون. فقد دفعت الحرب هذه الدوائــر إلى لحظة اختبار واحدة، وكشفت أن الأمن الخليجي لم يعد مسألة تسليح أو تموضع عسكري فقط بل مسألة بنية سياسية كاملة تحدد من يقدر الخطر، ومن يتخذ القرار، ومن يتحمل كلفة الرد، ومــن يملك القدرة على الصمود حين تتســع دائرة التصعيد. فالسلاح المتقدم يفقد جانبًًا كبيرًًا من قيمته إذا غابت العقيدة المشــتركة، والتحالف الخارجي يتراجع أثره إذا بقــي محكومًًا بتقديرات متباينة بين الضامن والحليف، والتنســيق الخليجي يظل محــدودًًا إذا لم يتحول من لغة تضامن عام إلى آليات قيادة وإنذار واســتجابة قابلة للعمل في لحظة الأزمة. وقد أظهرت الحرب، بهذا المعنى، أن الضمان الأميركي ما زال عنصرًًا مركزيًًّا في أمن الخليج، لكنه لم يعد كافيًًا وحده لصناعة شــعور مستقر بالأمان. فالولايات المتحدة تتحرك وفق حسابات قوة كبرى، تجمع بين حماية الحلفاء، وإدارة التصعيد، وضبط كلفــة الانخراط، وموازنة أولوياتها بين الخليج وآســيا وأوروبا والداخل الأميركي.

Made with FlippingBook Online newsletter