| 106
ومــن ثــم فإن التقاء المصالح بين واشــنطن ودول الخليج يظل قائمًًا، لكنه لا يلغي احتمالات التباين في التوقيت والوســيلة وحدود الرد. وهنا تبرز الحاجة إلى مقاربة خليجية أكثر نضجًًا، لا تقوم على اســتبدال الضامن الخارجي أو الانفصال عنه بل على بناء قدرة ذاتية أوسع تجعل التحالف معه أكثر توازنًًا، وتمنح دول الخليج هامش ًًا أكبر في إدارة الخطر، وتقليل الانكشاف، وتحويل الشراكة الأمنية من علاقة اعتماد شبه كامل إلى علاقة إسناد متبادل داخل بنية إقليمية أكثر تماسكًًا. لقد قامت معادلة الأمن الخليجي منذ نهاية الحرب الباردة على افتراض شبه مستقر، وهو أن الولايات المتحدة هي الضامن النهائي، وأن دول الخليج هي الشريك الذي يوفــر القواعد والتمويل والتســهيلات والاســتقرار الطاقوي. غيــر أن هذه المعادلة تعرضت لاختبارات متكررة: الانســحاب من العراق، والتردد تجاه الأزمة الســورية، ، 2021 ، والانسحاب من أفغانستان 2019 ، وهجمات أرامكو 2015 والاتفاق النووي لتكثف هذه الاختبارات 2026 ثم أولوية التنافس مع الصين وروسيا. وجاءت حرب في لحظة واحدة. فمن جهة، أثبتت أن الوجود الأميركي لا يزال حاســمًًا في الدفاع الجوي والاســتخبارات والقيادة والســيطرة وحماية الممــرات؛ إذ تدفقت بطاريات ). ومن جهة أخرى، أظهرت أن 28 باتريــوت الأميركية لتعزيز الدفاعات الخليجيــة( القــرار الأميركــي لا يُُصاغ بالضرورة من داخل حســابات الأمــن الخليجي بل من توازنات أوسع تشمل إسرائيل والداخل الأميركي وسوق الطاقة والتفاوض مع طهران. يتحدد جوهر المعضلة في الخليج اليوم من خلال التحول في طريقة استخدام القوة الأميركيــة أكثــر من التحول في حجمها. فالولايــات المتحدة ما زالت القوة الأقدر على التدخل، والأوسع حضورًًا في البنية العسكرية والاستخباراتية والبحرية للمنطقة، ا إلى إدارة الانخراط بكلفة محســوبة، وإلى مطالبة الحلفاء لكنها أصبحت أكثر ميلًا بتحمل نصيب أكبر من أعباء أمنهم، وإلى البحث عن تسويات ظرفية تمنع الانزلاق إلى حروب مفتوحة طويلة. ومن هنا لا يتمثل الســؤال الخليجي في بقاء واشــنطن أو مغادرتها بل في كيفية إعادة تعريف العلاقة معها بحيث تنتقل من اعتماد أحادي كثيف إلى شــراكة أكثر توازنًًا وقدرة علــى التأثير المتبادل. فالمطلوب خليجيًّّا ليس البحث عن بديل كامل للولايات المتحدة؛ إذ لا توجد قوة أخرى تملك في المدى المنظور شبكة القواعد والانتشار البحري والجوي والاستخبارات والاندماج العملياتي
Made with FlippingBook Online newsletter