العدد 31

109 |

ويُُعــاد توجيــه القلق الذي أنتجتــه الحرب نحو صفقات تســليح كبرى جديدة مع الولايــات المتحــدة ومور ِِّدين آخرين، من دون تحول نوعي في العقيدة أو في قابلية التشغيل المشترك. وتظل المظلة الأميركية في هذا المسار مركز الأمن الخليجي، بينما يـ ُدار التهديد الإيراني بمزيج من الردع التقليدي والقنوات الخلفية وخفض التصعيد � عند الحاجة. ويحرك هذا السيناريو عاملان رئيسيان، أولهما تراجع الإحساس بالخطر ا ًا الوجودي مع عودة الهدوء، وثانيهما حساســية الســيادة التي تجعل الدول أكثر ميل إلى حماية قرارها الدفاعي الوطني من أي تفويض جماعي عميق. وتتمثل مؤشــراته المبكرة في غياب مركز عمليات جوي خليجي موحد بعد عام من الهدنة، واستمرار تعدد مصادر التسليح من دون بروتوكولات تشغيل مشترك، وتصد ُُّر الصفقات الكبرى المشــهد الدفاعي على حساب الاستثمار في مضادات المسيرات والذخائر منخفضة الكلفة والدفاع السلبي وحماية البنية الحيوية. أما الســيناريو الثاني فيتمثل في التكامل المتدرج، وهو المســار الأكثر اســتدامة إذا تحولت صدمة الحرب إلى إصلاح مؤسسي عملي لا يصطدم دفعة واحدة بحساسيات السيادة. في هذا المسار، تبدأ دول الخليج من المجالات التقنية والأمنية الأقل إثارة للخلاف، مثل بناء إنذار مبكر موحد، وتطوير قدرات مشــتركة لمواجهة المسيرات، وتنســيق الدفاع الســيبراني، وحماية الممرات البحرية، وتأســيس مخزون خليجي مشــترك للذخائر الحرجة وقطع الغيار والأصــول ذات الأولوية. وتكمن أهمية هذا السيناريو في أنه لا يفترض قفزة وحدوية شاملة بل يبني الثقة عبر نجاحات تشغيلية محددة يمكن اختبارها وقياسها، بحيث تنتقل الدول لاحقًًا إلى مستويات أعمق من التنســيق في القيادة والسيطرة وقواعد الاشــتباك وتوزيع الأدوار. ويقوم هذا المسار على اســتمرار إدراك التهديد المشــترك، ووجود قيادة سياسية تقبل بمنطق التدرج، وتــدرك أن التكامــل الأمني لا يعني إلغاء الســيادة بل جعلها أكثر قدرة على العمل تحت الضغط. وتظهر مؤشراته المبكرة في إنشاء صورة جوية مشتركة أو مركز إنذار خليجي فعلي خلال عامين، وتوقيع بروتوكولات لتبادل البيانات في الزمن الحقيقي، وبروز صناعة خليجية مشــتركة في مضادات المسيرات وأنظمة الاعتراض منخفضة الكلفة، وتحول البيان السياسي المشترك إلى آلية مؤسسية دائمة تعمل بين القمم لا خلالها فقط.

Made with FlippingBook Online newsletter