العدد 31

| 108

وتتحرك التفاهمات الجزئية إلى جانب التحوط العسكري، وتصبح العلاقة مع إيران ا دائمًًا لإدارة الخطر لا مسارًًا سريعًًا نحو سلام شامل أو مواجهة مفتوحة. مجال ًا وتحتاج دول الخليج، في هذا الســياق، إلى مغادرة ثنائية التهدئة المجردة والتصعيد المطلق نحو مقاربة مركبة تجمع قنوات سياســية مفتوحة، ورســائل ردع واضحة، طـ ًا حمراء محــددة، وآليات اتصال وقت الأزمــات، وتفاهمات عملية حول � وخطو الممرات البحرية، وتنسيقًًا خليجيًّّا يمنع طهران من التعامل مع كل دولة على حدة. فالقيمة الإستراتيجية للحوار مع إيران لا تتحدد بمجرد وجوده، بل بمدى استناده إلى ا وتمنع تحوله إلى مسارات منفردة قابلة للاختراق عقيدة خليجية جماعية تمنحه ثقلًا والمساومة. وهنا يظهر الفرق بين التعامل مع إيران بوصفها عدوًّّا ثابتًًا وبين التعامل معهــا بوصفها مصدر تهديد يتغير وفق الســلوك والقدرة والنيــة. هذا التمييز يمنح السياســة الخليجية مرونة أكبر، لأنه يحررها من الخطاب التعبوي المغلق، ويمنعها في الوقت نفسه من التقليل من الخطر حين يتحول السلوك الإيراني إلى تهديد مباشر للبنية الحيوية أو الملاحة أو أمن المجتمعات الخليجية. سيناريوهات المستقبل ومؤشرات المتابعة بنــاء علــى ما تقدم، لا تتوقف هذه الدراســة عند تقديم توصيــات معيارية عامة بل تسعى إلى بناء تصور استشرافي لمسار الأمن الخليجي خلال أفق زمني يتراوح بين ســنتين وخمس ســنوات بعد الحرب، انطلاقًًا من أن الصدمة الأمنية الكبرى لا تُُنتج بالضرورة مسارًًا واحدًًا بل تفتح أمام الدول خيارات متفاوتة تبعًًا لطريقة قراءة الخطر، ومستوى الثقة المتبادلة، وقدرة المؤسسات على تحويل الدروس إلى سياسات. ومن هنا تُُطرح ثلاثة سيناريوهات رئيسية لا بوصفها تنبؤات قاطعة وإنما بوصفها أدوات لتنظيم عدم اليقين، وقراءة الاتجاهات المحتملة، وربط كل مسار بمحركاته الأساسية ومؤشراته المبكرة القابلة للرصد. يتمثل السيناريو الأول في العودة إلى النمط السائد، وهو المسار الأكثر ترجيح ًًا على المــدى القصير إذا تراجعت حد ََّة التهديد بعد الهدنة، وعاد الإحســاس بالخطر إلى مستواه التقليدي. في هذه الحالة، يستعيد الزخم القديم موقعه داخل التفكير الأمني الخليجي، فتعود الدول إلى حســاباتها الوطنية، وتتراجع المبادرات الجادة للتكامل،

Made with FlippingBook Online newsletter