111 |
الضرورة الظرفية إلى مستوى البنية الدائمة، قبل أن يتراجع حضور الخطر في الوعي السياسي وتعود الحسابات الوطنية الضيقة إلى امتصاص الدرس الإستراتيجي. ولهذا تكتســب الأشهر الأولى التي تلي الحرب قيمة حاسمة، فهي النافذة التي يكون فيها أثر الصدمة حاضرًًا، والإرادة السياسية أكثر قابلية للدفع، والمؤسسات أكثر استعدادًًا لتلقي إصلاحات عملية في الإنذار المبكر، وتبادل البيانات، والدفاع الجوي، والأمن الســيبراني، وحماية الممرات والبنية الحيوية. فإذا جرى استثمار هذه اللحظة بسرعة وحزم، يمكن للحرب أن تتحول إلى نقطة انطلاق لعقيدة أمنية خليجية أكثر نضج ًًا، أما تركها للتآكل البطيء فسيعيد التجربة إلى الذاكرة من دون أن يحوِِّلها إلى قدرة. خاتمة وضعت الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، وما أعقبها من رد إيراني استهدف المجال الخليجي، دول الخليج أمام لحظة انكشــاف إســتراتيجية كبرى. فقد بدأت المواجهة بضربات اســتهدفت العمق الإيراني، ثم امتدت آثارها إلى الخليج بحكم الجغرافيا والتحالفات ومركزية الطاقة ووجود القواعد الأميركية وحساســية الممرات البحرية، لتكشف أن المنطقة جزء بنيوي من معادلة الصراع حتى حين تحاول دولها تجنب الانخراط المباشر في قرار التصعيد. وقد جاء الرد الإيراني عبر استهداف البنى التحتية الحيوية، والمطارات، والموانئ، ومنشآت الطاقة والغاز والكهرباء، وشبكات الاتصالات والمرافق السيادية، فأعاد تعريف الخليج من مجال اقتصادي ولوجيستي للنظام الدولي إلى ســاحة ضغط عسكرية وسياسية عند انتقال الصراع مع إيران إلى مستوى الحرب المفتوحة. وقد كشفت هذه التجربة أن الأمن الخليجي دخل طورًًا تتداخل فيه الحدود العسكرية مــع الوظائــف المدنية، وتتحول فيه منشــآت الطاقة والميــاه والكهرباء والمطارات والموانئ والشــبكات الرقمية إلى عناصر مركزية في ميزان الردع والصمود. فالدولة الحديثــة فــي الخليج تقوم على كثافة وظيفية عالية، وكل عقدة من عقد هذه الكثافة تحمل قيمة إســتراتيجية تتجاوز وظيفتها الخدمية المباشرة، لأنها تمس الثقة العامة، واســتمرارية الاقتصاد، وحركة الأســواق، وصورة الدولة وقدرتها على إدارة الأزمة. ومن ثم فإن ضرب منشــأة طاقة، أو تعطيل مطار، أو تهديد ميناء، أو اختراق شــبكة
Made with FlippingBook Online newsletter