العدد 31

| 112

ا عسكريًّّا ذا أثر سياسي ونفسي واقتصادي ممتد، لأنه يضغط على رقمية، يصبح فعلًا أعصــاب الدولة ويحوِِّل الحرب من مواجهة بين جيوش إلى اختبار لقدرة المجتمع والدولة والمؤسسة الدفاعية على الاستمرار تحت الضغط. ومن هنا يبرز السؤال الأعمق الذي تفرضه الحرب على دول الخليج، وهو قدرة هذه الــدول على تحويل ما راكمته من قدرات دفاعية عســكرية إلى أمن جماعي فعلي. فالمنصــات المتقدمة، ومنظومات الاعتراض، ومراكــز القيادة، والرادارات، وأصول الاستطلاع، والدفاع البحري، والقدرات السيبرانية، تحتاج إلى عقيدة تشغيلية مشتركة، وصورة عملياتية موحدة، وتبادل بيانات في الزمن الحقيقي، وقواعد استجابة منسقة، ومخزونات قادرة على احتمال حرب استنزاف طويلة. وقد أظهرت الحرب أن امتلاك القدرة في صورتها الوطنية المنفردة يمنح هامش ًًا من الحماية، بينما يمنح تحويل هذه القدرة إلى بنية جماعية متكاملة قيمة إستراتيجية أعلى، لأن التهديدات التي واجهها الخليج تحركت عبر خرائط الطاقة والممرات والأسواق والاتصالات، لا عبر الحدود الإدارية بين الدول. لقد أكدت الحرب أيض ًًا أن معادلة الكلفة أصبحت في قلب التفكير الدفاعي الخليجي. فالخصم الذي يســتخدم المسيرات والصواريخ المجنحة والوسائط منخفضة الكلفة والهجمات الســيبرانية والضغط البحري يســتطيع أن يفرض علــى الطرف المدافع تشغيل منظومات باهظة، واستهلاك ذخائر ثمينة، وبقاء مستمرًّّا في حالة تأهب؛ الأمر الذي يحوِِّل الدفاع إلى معركة اســتدامة قبل أن يكون معركة اعتراض. ولذلك فإن مستقبل الأمن الخليجي يتطلب هندسة دفاعية متعددة الطبقات، تبدأ بالإنذار المبكر، والتشــويش، ومضادات المسيرات، والاعتراضات القصيرة ومنخفضة الكلفة، وتمتد إلى الدفاع السيبراني، والتحصين، والتمويه، وتوزيع الأصول، وبناء البدائل التشغيلية، وخطط اســتمرار العمل في منشــآت الطاقة والمياه والكهرباء والموانئ والمطارات. فالأمــن هنا ينتقل من ثقافة الصفقة الكبرى إلى ثقافة القدرة المســتمرة، ومن اقتناء المنصة الأحدث إلى بناء النسق الأنسب، ومن الردع الرمزي إلى الردع العملي القادر على امتصاص الصدمة وتقليل عائد الهجوم. وتضــع هــذه الحرب العلاقة مع الولايات المتحدة فــي إطار أكثر واقعية. فالضمان الأميركي سيظل عنصرًًا مركزيًًّا في أمن الخليج بحكم الانتشار العسكري، وشبكات

Made with FlippingBook Online newsletter