العدد 31

113 |

الاســتخبارات، والقواعد، والقدرات البحرية والجوية، والاندماج العملياتي العميق. غير أن الحرب كشفت أن الضامن الخارجي يتحرك وفق حسابات القوة الكبرى، لا وفــق هواجــس الحلفاء وحدهم. ومن ثم تحتاج دول الخليج إلى علاقة أكثر توازنًًا مع واشــنطن، تقوم على تعميق الشــراكة مع تقليل هشاشة الاعتماد الكامل، وتقديم الخليج بوصفه كتلة إستراتيجية ذات وزن تفاوضي، لا مجموعة ترتيبات ثنائية متفرقة. كما تحتاج إلى تنويع وظيفي للشراكات في التكنولوجيا، والتصنيع الدفاعي، والأمن السيبراني، والدفاع البحري، ومكافحة المسيرات، مع إبقاء الشراكة الأميركية عمودًًا مركزيًّّا ضمن بنية أوسع. وتفــرض العلاقة مع إيران مقاربة أكثــر تركيبًًا. فإيران، بما تملكه من عمق جغرافي وقدرات صاروخية وشــبكات نفوذ وأدوات ضغط غير متكافئة، ستبقى عنصرًًا دائمًًا فــي معادلة الأمن الخليجي، والتعامل معها يتطلب مزيج ًًا من الردع والحوار وإدارة المخاطــر والخطوط الحمراء. وقد أظهــرت الحرب أن طهران قادرة على الإضرار حتى في لحظات الضغط، كما أظهرت لها أن توسيع دائرة الاستهداف نحو الخليج يدفع دول المجلس إلى التفكير في ردع جماعي أكثر صلابة. ومن هنا تبدو الحاجة ملح ََّــة إلــى مقاربة خليجية موحدة تجعل الحوار مع إيران مســنودًًا بعقيدة جماعية، ا للفهم والقياس، وتمنع تحويل الدول الخليجية إلى مســارات وتجعــل الــردع قابلًا منفردة يسهل الضغط عليها أو مساومتها على نحو تفاضلي. أمــا العلاقات البينية الخليجية، فهي المســاحة التي ســيتحدد فيهــا المعنى الفعلي لدروس الحرب. فقد أثبتت الأزمة أن التنســيق ممكن عندما يصبح الخطر مباشــرًًا، وأن حساســية الســيادة يمكن إدارتها عبر مســارات متدرجة تبدأ بالمجالات التقنية والعملياتيــة الأقــل إثارة للخلاف، مثــل الإنذار المبكر وتبــادل البيانات ومكافحة المســيرات والأمن السيبراني وحماية الممرات وتصنيف الأصول الحيوية والتمارين المشــتركة والمخزونات الحرجة. ومن هذه المسارات يمكن بناء ثقة مؤسسية تنتقل لاحقًًا إلى مستويات أعمق من القيادة والسيطرة وقواعد الاشتباك. فالتكامل الدفاعي الخليجي في صورته العملية لا يعني ذوبان القرار الوطني، بل رفع قدرة هذا القرار على العمل ضمن بيئة تهديد تتجاوز الدولة الواحدة وتضغط على الجميع من بوابات مشتركة.

Made with FlippingBook Online newsletter