129 |
ثانيًًا: الإطار المفاهيمي لا يقوم هذا الإطار على تعريفات معجمية منفصلة، بل على شــبكة مفاهيم مترابطة يُُفهم كل منها في ضوء الآخر. فالقرب البنيوي لا يُُدرك إلا عبر علاقته بالاستقلال التحليلــي، وأنماط التســييس لا تتضح إلا بوضعها ضمن طيــف العلاقة بين إنتاج المعرفة وممارســة الســلطة. ومن ثم فإن الهدف هنا ليــس تكديس التعريفات، بل ضبط الحدود المفاهيمية بما يسمح لاحقًًا ببناء تفسير سببي متماسك. القرب البنيوي متغير ًًا تنظيميًًّا وإدراكيًًّا يُُقصد بالقرب البنيوي درجة الاندماج المؤسســي والوظيفي بين جهاز الاستخبارات ومركز القرار السياسي، كما تتجلى في موقعه التنظيمي داخل الدولة، وكثافة قنوات التواصل، ومدى مشــاركته في مراحل صياغة السياســات. غير أن هذا التعريف يظل تـ ُزل في البعــد الإداري فقط؛ فالقرب ليس مجــرد موقع في الهيكل � ناقص ًًــا إذا اخ التنظيمي بل بيئة تفاعل يومي تُُنتج تدريجيًًّا إطارًًا إدراكيًًّا مشتركًًا. قريبة بما يكفي لتفهم، " لقد أشار شيرمان كينت إلى ضرورة أن تكون الاستخبارات ، غير أن هذه الصيغة الإرشادية لم تُُفك ِِّك " وبعيدة بما يكفي لتحافظ على استقلالها أثر القرب على بنية الإدراك التحليلي ذاته. لاحقًًا، أوضح ريتشارد بيتس أن التفاعل ؛) Structural Bias ( " الانحياز الهيكلي " المتكرر مع صانع القرار يُُنشــئ ما يشــبه .) 11 حيث يعيد المحلل -دون ضغط مباشر- مواءمة تقديراته مع التوقعات السائدة( بذلك يصبح القرب متغيرًًا يؤثر في بيئة إنتاج المعرفة، لا مجرد مسافة تنظيمية. وعليه، درجة الاندماج المؤسســي وكثافة التفاعل التي تعيد " يُُعرََّف القرب البنيوي هنا بأنه تشــكيل الإطار الإدراكي داخل جهاز الاســتخبارات، بما يؤثر في طبيعة الأســئلة
" المطروحة وحدود الفرضيات الممكنة. الاستقلال التحليلي: حدود النزاهة والتسييس
يقابل القرب البنيوي مفهوم الاستقلال التحليلي، لكنه لا يُُفهم بوصفه نقيض ًًا ميكانيكيًًّا له. فالاستقلال لا يعني الانفصال التام بل القدرة المؤسسية والمعرفية على الحفاظ على مســافة نقدية كافية داخل بيئة سياســية مشــبعة بالتوقعات. وقد شــد ََّد روبرت
Made with FlippingBook Online newsletter