العدد 31

| 198

)، ظلت السياسة Zeitenwende ( " التحول التاريخي " وهكذا، عشية ما عُُرف لاحقًًا بـ الأمنية الألمانية قائمة على مرتكزات القوة المدنية، وضبط النََّفْْس العسكري، والتفضيل الواضح للحلول متعددة الأطراف. وقد أســهمت هذه الموروثات التاريخية والثقافية في تشــكيل طبيعة الاستجابة الألمانية للتحولات الجيوسياسية الكبرى التي شهدتها . 2022 أوروبا بعد عام ثانيًًا: التحول الإستراتيجي الألماني: الدوافع والسياقات السياسية . الغزو الروسي لأوكرانيا صدمة إستراتيجية لألمانيا 1 ، نقطة تحول كبرى في 2022 فبراير/شباط 24 شــك ََّل الغزو الروســي لأوكرانيا، في البيئة الأمنية الأوروبية، وفرض تحديًًا مباشرًًا على الأسس التي قامت عليها السياسة الخارجية والأمنية الألمانية منذ نهاية الحرب الباردة. فقد استندت برلين، طوال عقود، إلى قناعة مفادها أن الترابط الاقتصادي والحوار السياســي والانخراط الدبلوماســي قادر على دفع روسيا نحو سلوك أكثر تعاونًًا واستقرارًًا. وقد شك ََّل هذا التصور أحد )، وتََعََزََّز عبر عقود Ostpolitik ( " التقارب مع الشرق " المرتكزات الأساســية لسياسة من التعاون الاقتصادي، خاصة في قطاع الطاقة. إلا أن الغزو الروسي كشف حدود هــذه المقاربة، وأظهر حجــم الاختلالات التي نتجت عن اعتماد ألمانيا الكبير على واردات الطاقة الروســية، كما أبرز هشاشــة الرهان الجيواقتصادي الذي حكم جزءًًا مهمًّّا من السياسة الألمانية تجاه موسكو. % من وارداتها من الغاز الطبيعي، ونحو 55 قبل الحرب، كانت روسيا تزود ألمانيا بنحو ). وقد خلق هذا 6 % من وارداتها من الفحم، وأكثر من ثلث وارداتها من النفط( 50 المســتوى من الاعتماد حالة انكشاف إستراتيجية كبيرة، لاسيما أن الصناعة الألمانية ارتبطت بصورة عميقة بإمدادات الطاقة الروســية منخفضة الكلفة نســبيًًّا. واستفادت قطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الصناعات الكيميائية والصلب والتصنيع، من ا ضاغطًًا هذه الميزة لعقود؛ الأمر الذي جعل الاضطراب المفاجئ في الإمدادات عاملًا على النموذج الاقتصادي الألماني بأكمله. أدََّى الانهيــار المفاجــئ لهذا النظام إلى ضغوط تضخمية واســعة، واضطرابات في القطاع الصناعي، ومخاوف متزايدة بشأن تنافسية القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

Made with FlippingBook Online newsletter