العدد 31

197 |

برزت برلين داعمًًا مهمًّّا للأمن التعاوني ومنع النزاعات وحفظ السلام والمساعدات الإنمائية. تعــزز هذا التوجه بفعل مجموعة من العوامل الهيكلية والسياســية. فقد أدََّى تراجع التهديدات العســكرية المباشــرة داخل أوروبا بعد انتهاء الحرب الباردة إلى تقليص الحاجــة المتصورة لزيــادة الإنفاق الدفاعي. وفي الوقت نفســه، اكتســب التعاون الاقتصادي موقعًًا محوريًًّا في السياســة الخارجية الألمانية، استنادًًا إلى قناعة مفادها أن التبادل التجاري والانخراط الاقتصادي يســهمان في ترســيخ الاستقرار السياسي والأمني. كما فرضت اعتبارات التحالفات الدولية، إلى جانب الحذر المجتمعي تجاه التدخلات العسكرية الخارجية، قيودًًا واضحة على تطوير القدرات الدفاعية الألمانية وعلى توسيع نطاق الانتشار العسكري خارج الحدود. أظهرت مشاركة ألمانيا في بعثات حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي -في كوســوفو، وأفغانســتان، ثــم مالي لاحقًًا- اســتعدادًًا متزايدًًا 1999 بعــد عام لاستخدام الأدوات العسكرية ضمن سياقات محددة، إلا أن هذه المشاركات اتسمت في معظمها بطابع إنساني ومتعدد الأطراف ومحدود النطاق، وقد نُُفِِّذت وفق قواعد اشتباك صارمة ركزت على مهام تحقيق الاستقرار والدعم اللوجستي والتدريب أكثر من تركيزها على العمليات القتالية المباشرة. كما عكس الدور الألماني في أفغانستان هذا النهج بوضوح؛ إذ ظل محكومًًا باعتبارات سياســية وثقافية هدفت إلى تقليص المخاطر والحد من الانخراط القتالي المباشر. بحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تصاعدت النقاشات داخل أوروبا وحلف الناتو بشــأن طبيعة الدور الذي ينبغي أن تضطلع به ألمانيا في البيئة الأمنية المتغيــرة. فقــد طالبت قوى غربيــة عديدة برلين بتحمل مســؤوليات أمنية أكبر في ظل تدهور العلاقات مع روســيا، وتصاعد الاضطرابات في الشرق الأوسط، وتزايد الضغــوط المتعلقة بتقاســم أعباء الدفاع داخــل الناتو. ورغم الدعــوات المتكررة إلــى تبنِِّي سياســة أكثر حزمًًا -ومن أبرزها خطــاب الرئيس الألماني، يواخيم غاوك فــإن التحول في 2014 )، خلال مؤتمــر ميونــخ للأمــن، عام - Joachim Gauck ( المقاربة الإستراتيجية الألمانية ظل تدريجيًًّا ومحكومًًا بإرث طويل من الحذر السياسي والثقافي تجاه استخدام القوة العسكرية.

Made with FlippingBook Online newsletter