العدد 31

25 |

؛ فتحول الهامش من فضاء للشر المحض إلى فضاء يؤدي وظيفة، أو " الوظيفة " مبناه يشــك ِِّل منصة لتشغيل الشــر المنظ ََّم. وهكذا أصبحت الجزيرة تُُستخدم في السجون والمنافي، والتجارب العســكرية للأســلحة الفتاكة، وصارت موطنًًا للاقتصاد الخفي الهارب من الســوق المنظم وقواعد التجارة والقانون، فاستوطنتها عمليات التهريب، وغســيل الأموال، والشــركات مجهولة مصادر التمويل والمتهربة من الضرائب. كما غدت موطنًًا للقاءات النفوذ بعيدًًا عن أضواء الإعلام وسطوة القانون، وفضاء للقاءات الخاصة؛ حيث اللذة الحرام، والشذوذ بمختلف أشكاله ومظاهره. ولم تعد الجزيرة، في الوعي الحديث، موطنًًا لقوى خارقة، كما كان يعتقد الإنســان قديمًًا، بل غدا الإنســان نفســه هو الذي يحدد وظيفتها ودورها. ومن ثم، فجزيرة إبستين تمثل هزيمة للأسطورة وإثباتًًا لأن الشر الحديث صناعة بشرية، لا تقوم على قوى غيبية، وإنما تحتاج إلى شــبكة نافذة، ومجال مناســب، وقانون مرن، وصمت مطبق. . فبعض الفضاءات " التشك ُُّل الأخلاقي للمكان " وكل ذلك يطرح ما يمكن تسميته بـ الجغرافية ليســت محايدة أخلاقيًًّا بل تمنح بطبيعتها قدرًًا أكبر من الس ُُّلطة، والسرية، والقابلية للاستمرار، والقدرة على ممارسة العنف، وتأمين السلوك المنحرف. فالجزيرة لا تنتج الشر بذاته، وإنما تهيئ شروطه المجالية؛ فكما أن الصحاري تهيئ المجــال للتهريــب، والمضائق للصراع البحري، والجبال لحــروب العصابات، فإن الجزر المعزولة تهيئ اقتصاد السرية والإفلات من الرقابة. جزيرة إبستين: تجسيد لجغرافيا الشر ، وتقع ضمن جزر " ليتل سانت جيمس " هذه الجزيرة مجال كان يُُسم ََّى، كما أسلفنا، خلال فترة ملكيته لها، وتتجلََّى فيها " جزيرة إبستين " العذراء الأميركية، لكنها عُُرفت بـ شروط الاستثناء بوضوح؛ فهي ملكية خاصة، محدودة منافذ الدخول، تتيح قدرًًا عاليًًا من الضبط والتحكم الذاتي، مع صعوبة رقابة المجتمع عليها مقارنة بالأماكن المتصلة بالمركز. وهذا يؤهلها للتحول إلى قاعدة إنتاج، أو عقدة تشــغيل، ضمن شــبكات علاقــات ونفــوذ خاصة؛ فهي، بحكم موقعها، بعيدة عن مراكز العمران، وتبدو نقطة كثيفة الدلالة في عالم البحار الغامض.

Made with FlippingBook Online newsletter