27 |
الجزيرة لا المدينة كان السؤال البديهي الذي تردد منذ انكشفت هذه الجزيرة: لماذا اتخذت هذه الشبكة تلك الجزيرة مقرًّّا لها، لا إحدى المدن الكبرى، مثل نيويورك أو واشنطن أو غيرها من الحواضر المعروفة؟ وللإجابة عن هذا السؤال، لابد من استنطاق الجغرافيا السياسية؛ فالجزيرة تحقق مزايا خمسًًا يصعب اجتماعها في غيرها: - فلا دخول ولا خروج إلا بإذن، ولا تحرُّك داخلها التحكــم الكامل في الحركة: أو خارجها إلا تحت المراقبة، ولا رأيًّا عامًا يطَّلع، أو يناقش، أو ينتقد، أو يوجِّه. - إذ تحقق الجزيرة عزلًا بصريًّــا كاملًاً، فلا يحتاج المجرم فيها العزلــة البصريــة: للتخفي عن الأعين. وهذا مقصد تحققه الجغرافيا السياسية قبل السياسات الأمنية أو الحاجة إلى التواطؤ؛ ذلك أن السلطة الحديثة -كما يلاحظ فوكو- لا تبحث عــن الإخفــاء بقدر ما تبحث عن تنظيم الرؤية؛ أي كشــف المجال العام بصريًّا دون عوائق، أما ما يُخفَى في أحشائه فمتروك لاكتشاف الجرائم عند وقوعها. - فما بين الســلطات الاتحادية والمحلية توجــد منطقة رمادية العزلــة القانونيــة: في الاختصاصات، تَجَسَّــد منطق الاســتثناء وفق منظور أغامبن. ولا يعني ذلك تعطيــل القانون أو غيابه بل يحيل إلى بطء إنفاذ القانون وتداخل الاختصاصات والإجراءات ما بين الاتحادي والمحلي. - إذ تغيب الأعين عن المكان، فهو مغلق بطبيعته، ولا يوجد العزلــة الاجتماعيــة: فيه مجتمع يحاســب أو يراقب، أو يُقوِّم، أو يُبلِّغ، ولا صحافة تُنبِّه، أو تضغط، أو توجِّه، أو تكشف. فالجزيرة تعدِم الشاهد قبل الإشهاد. - فالجزيرة مكان غير مألوف، يقع خارج نطاق النظر اليومي، فتغدو العزلة الرمزية: مجالًا اســتثنائيًّا يســاعد على تحويل الوقائع إلى أساطير، والجرائم إلى سلوك يبدو، مع الزمن، اعتياديًّا.
Made with FlippingBook Online newsletter