35 |
ويقارب هذه الجزر في الوظيفة عدد من النظم المالية التي تقوم على الاســتثناء في إدارة الأموال والشركات والبنوك، في مقدمتها: لوكسمبورغ، وسنغافورة، وسويسرا، وإيرلندا، في بعض أنظمتها الضريبية. لماذا اختيرت هذه الجزر لتؤدي هذا الدور في إدارة جانب ويبرز هنا سؤال جوهري: مهم من ثروة العالم؟ وتســهل الإجابــة عــن هذا الســؤال إذا علمنا أن هــذه الجزر جميعها تتشــابه في الخصائص الجغرافية والسياسية؛ فهي دول صغيرة المساحة، مستقرة سياسيًّّا، وتتمتع بأنظمة قانونية مرنة، قادرة على تعديل تشريعاتها بما يعزز قدرتها التنافسية في جذب رؤوس الأموال. كما يعتمد اقتصادها أساس ًًا على الخدمات المالية، وأغلب ارتباطاتها ا عن وقوع كثير منها دوليًّّا بالقوى الغربية الكبرى ولاســيما المملكة المتحدة، فضلًا بين أوروبا وأميركا الشــمالية، وفي قلب التجارة العالمية، بما يسهِِّل إدارة العمليات )، المرتبط بها، يحمل دلالة جغرافية Offshore الدولية. وحتى مصطلح الأوفشــور ( . " بعيدًًا عن الحدود " أو " خارج الشاطئ " واضحة؛ إذ يعني في هذه الجزر، تتجلى بوضوح تصورات فوكو عن العلاقة بين الســلطة والمعرفة، وأفكار أغامبن عن الاســتثناء القانوني، كما يؤكد منظور لاكوســت أن الجغرافيا أداة لتوزيع الســيادة والقانون والســلطة والهيمنة، وليســت مجرد تضاريس أو مناخات متعددة. وفــق هــذا المنظور، لا تختلف هذه الجزر في بنيتهــا الوظيفية، عن جزر التجارب النووية؛ فالاختلاف بينهما يكمن في الأداة لا في المنطق. ففي الجزر النووية استُُخدم المجال لتعظيم وإنتاج القوة العسكرية، أما في جزر الأوفشور فقد استُُخدم المجال ا لإعادة تشــكيل لإنتاج وإعادة توزيع القوة المالية. وهكذا أصبحت الجغرافيا مجالًا الاقتصاد العالمي، بحيث تنتقل الأرباح من المراكز الصناعية الكبرى إلى مراكز مالية صغيرة، تستمد أهميتها من وضعها القانوني والسياسي أكثر مما تستمدها من مواردها الطبيعية أو موقعها الجغرافي بالمعنى التقليدي. وتجسد هذه الجزر بوضوح انتقال الهيمنة من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على رأس المال، إدارة وتدفقًًا؛ فهذه المراكز الصغيرة تدير تريليونات الدولارات ســنويًّّا، وتعيد إنتاج أنماط جديدة من الســيطرة الاقتصادية العالمية، لتحل الشبكات المالية،
Made with FlippingBook Online newsletter