37 |
وفي هذا النمط الجيوسياسي، تؤدي الجزر ثلاث وظائف رئيسة، تقوم جميعها على خصائص الاستثناء، والعزلة، والقدرة على التحكم، وهي: تتحول فيها الجريمة إلى حالة اســتثنائية شاذة، منفصلة عن شبكات وظيفة ســيادية: النفوذ مكانًًا ومتصلة بها وظيفةًً. يُُزاح فيها الشر إلى مكان آخر، تخفيفًًا لوطأة الاعتراف بأنه بنيوي أصيل وظيفة نفسية: في الشبكة، حاضر في ممارساتها. تتشــكل فيها ســردية الإثارة، بما تحمله من دلالات، فتستحوذ على وظيفة إعلامية: الاهتمام، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالبنية العميقة لشبكات النفوذ. وهنــا يبــرز منطق فوكو الذي يتحدث عن تنظيم الظهور والإخفاء داخل ما يســميه ، وهو اقتصاد -وفق توصيفه- تهيمن عليه مؤسســات وقوى تحدد " اقتصاد الحقيقة " مــا ينبغي إظهاره، وما ينبغي حجبــه، بحيث لا يُُقد ََّم للناس الواقع كله، وإنما القدر الذي تسمح به بنية السلطة. ا جغرافيًّّا وهكذا تُُظهر الجغرافيا السياسية للشر أن سؤال: لماذا الجزيرة؟ ليس سؤالًا أو أدبيًّّا بل سؤال هيمنة وسلطوية بامتياز. فالجزر تمنح خصائص العزلة، والتحكم، والســرية، وتخفيف الســيادة، فتتحول إلى منصات استثناء، تؤدي وظائف لا يسهل ليست " جزيرة إبستين " أداؤها في المجال المتصل بالمجتمع والدولة. ومن ثم، فإن جزيرة " عودة للأسطورة، وإنما تحو ُُّل لتلك الأسطورة إلى مؤسسة حديثة؛ تتجسد فيها في صورة عُُقََد شــبكية، توفر شروط الإفلات من المحاسبة، وتحيط " الشــر القديمة نفسها بسردية تصرف الانتباه عن البنية التي تحميها. وتؤكد الدراســة، في ضوء أفكار فوكو وأغامبن ولاكوســت، أن الجغرافيا ليســت التي " ســفينة المجانين " حياديــة فــي إدارة الانحراف الأخلاقي أو السياســي، فمن حملــت المختلفين بعيدًًا عن المدينة، إلى فضاءات الاســتثناء المعاصرة التي يُُعلََّق فيها القانون، يظهر أن السلطة لا تُُقصي الشر فحسب بل تُُعيد هندسة موضعه. وهكذا يصبح الفضاء أداة تنظيم للمرئي والمخفي، ويغدو العزل الجغرافي أحد أشكال إنتاج الحقيقة السياسية ذاتها. ليســت مفهومًًا جغرافيًّّا، " جزر الشــر " ولعل أهم ما تنتهي إليه هذه الدراســة هو أن
Made with FlippingBook Online newsletter