العدد 8 – يوليو/تموز 2026

| 190

يبدأ الضبط من المســتوى التقني، وهو الأســاس الذي تُُْبَْنَى عليه بقية المســتويات، ويتجلى في البنية التحتية للشبكات والبيانات. فالتحك ُُّم في الخوادم، وتشفير الاتصال، وتحديد مسارات الوصول إلى المعلومات تُُمثِِّل أدوات سلطة مادية تُُحد ِِّد َمَْن يمكنه المشاركة في ال ضفاء الرقمي، وكيف تُُدار حركة البيانات داخله. ويُُتِِيح هذا المستوى للشــركات المالكة للبنية الرقمية قدرة شــبه مطلقة على تقييد الوصول أو حجبه، بما يُُعادل السيطرة على المجال العام في صيغته الافتراضية. أما المســتوى الخوارزمي فيُُمثِِّل جوهر الســلطة الرقمية الحديثة، وهو الذي يُُحدِِّد ما يظهر للمســتخدم وما يُُخفى عنه، من خلال آليات التصفية والترتيب والتصنيف. وتعمل الخوارزميات قاضيًًا غير مرئي يُُقِّرِر ما يســتحق الظهور وما ينبغي تهميشــه، مســتخدمة بيانات المســتخدمين وأنماط ســلوكهم لإنتاج أنظمة تقييم وتنبُُّؤ. هذا الضبط الحســابي يُُعيد تشــكيل الخطاب العام من خلال التحك ُُّم في فرص الوصول إلى الجمهور، ومن ثم في تشكيل الرأي العام ذاته. ويأتي المســتوى التنظيمي ليُُترج ِِم الســلطة الخوارزمية إلى قواعد شبه قانونية. هنا، تضع المنصات سياســات المجتمع وشروط الاســتخدام التي تُُعََد بمنزلة تشريعات داخليــة تَُُنَِّظِم التفاعل بين ملايين المســتخدمين. وتُُمارِِس المنصات في هذا الإطار أدوارًًا تشــريعية وتنفيذية وقضائية في الوقت ذاته، عبر إصدار القرارات بالحذف أو التقييــد أو الحظر، وتفعيل لجان المراجعة الداخلية التي تمنح قراراتها طابعًًا قضائيًًّا من دون أي رقابة عامة أو شفافية حقيقية. ويضيف المســتوى الاقتصادي بعدًًا آخر للضبــط؛ إذ تُُدار الخوارزميات وفق منطق السوق لا منطق العدالة. فالمنصات تُُعيد توجيه المحتوى بما يخدم مصالح الم ُُْعِْلِنِِين أو الشــركاء السياســيين، وتربط قابلية الظهور بالجدوى الاقتصادية. وهكذا تتحوََّل الرقابة من وظيفة أخلاقية أو قانونية إلى آلية اســتثمارية تُُعيد إنتاج علاقات الهيمنة الاقتصادية والسياسية على مستوى عالمي. أخيرًًا، يتجلى المســتوى المعرفي/الرمزي بو فصه أعلى درجات الضبط الإلكتروني؛ إذ يتجاوز حدود التنظيم إلى تشــكيل الوعي نفســه. في هذا المســتوى لا تتحك ََّم المنصــات فــي المحتوى فقط بل في المعنى: تُُحد ِِّد مــا هو خبر وما هو تحريض، ا. ومن خلال التكرار والإخفاء والوسم، تُُعاد صياغة وما يَُُعَُّد حقيقة وما يُُعََد تضليلًا

Made with FlippingBook Online newsletter