مجلة تُراث عدد 286 - أغسطس 2023

إضاءة

أود أن أعود إلى الأوهام

يمكن للإنسان اختراعها. ثم عدنا لهواتفنا المضيئة. تابعنا سقوط ضحايا الثورات وصدقنا مبررات وكذَّبنا أخرى، ثم عدنا لانشغالنا بحيواتنا، لقد حولنا تطور «الميديا» - ويا للسخرية - إلى كائنات تاريخية، كائنات تعيش في القرن الحادي والعشرين وتطبق منطق جحا التاريخي، الذي أطلق مقولته الخالدة أنه في أمان مادامت النارلم تصل إلى ثيابه؛ قال القوم: يا جحا النار مشتعلة في المدينة، قال: طالما ليست في شارعنا فنحن في أمان. يا جحا إن النارمشتعلة في شارعكم، قال: طالما لم تصل إلى بيتي فأنا في أمان. يا جحا النارفي بيتك فقال: طالما لم تطل غرفتي فأنا في أمان.. مضيقا في كل مرة مساحة أمانه إلى أن صارت حدود ثيابه. هل هذا ما نعيشه الآن؟ هل هذا ما نختبره بالفعل؟ وإلا ما الذي يجعل الولايات المتحدة الأمريكية تسطو على شاحنة كمامات متجهة إلى فرنسا أو إسبانيا خلال فترة الجائحة الكبرى، إن لم يكن جحا هوالسبب؟ «أود أن أعود إلى الأوهام» يا سيدة بنيلوبي. ليست «مون تايجر» رواية ديستوبيا، لا أقرأ روايات الديستوبيا وأظنها تافهة. إنها رواية تاريخ، تاريخ بالمعنى المنضبط للكلمة، استخدام مذهل لتاريخ

حقيقي عاشته السيدة خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه يا للعجب أشد قسوة من الديستوبيات التي يجتهد فيها مدّعوالأدب في خلخلة قواعد الحياة وتدميرمنطقها لإبهارنا. الحياة لا تحتاج لتدخلكم يا سادة، الحياة كلها والتاريخ كله مجرد سلسلة متصلة من الحروب والمجازر والأوبئة والصراعات، سلسلة متصلة من أقوياء يستخدمون قوتهم لاستغلال ضعفاء، وضعفاء ينتقمون حين يستردون قوتهم ممن تبقى من أقوياء، وباستغلال ضعفاء آخرين. «وَأَنَّا ل َا نَدْرِي أَشَر أُرِيد بِمَن فِي ال ْأَْرْض أَم أَرَاد بِهِم رَبُّهُم رَشَداً» (الجن ) وباء يتفآشى... ربما صنعه البشر، حرب بيولوجية، كتف غير 10 قانونية لعرقلة اقتصاد طغى، ربما هومن صنع الطبيعة، ربما هو انتقام أو اختبارإلهي! ربما، وربما، وربما ... لكن هذا هو التاريخ: سلسلة من الاضطرابات تسحق الملايين، أو الهدوء تجهيزا لاضطرابات تسحق الملايين..»، وحينما يكون الزمان مملوءا بالاضطرابات ندرك مع الأسف أن التاريخ حقيقي، وأننا جزء منه. لأن من عادة المرء أن يعتبر نفسه محصنا من كل ءشيء. وهذه واحدة من اللحظات التي تبدوفيها تلك الحصانة محض وهم. أود أن أعود إلى الأوهام»

«حينما يكون الزمان مملوءا بالاضطرابات تدركين مع الأسف أن التاريخ حقيقي، وأنك جزء منه. من عادة المرء أن يعتبر نفسه محصنا من كل ءشيء. هذه واحدة من اللحظات التي تبدوفيها تلك الحصانة محض وهم. أود أن أعود إلى الأوهام..». استوقفتني طويلًا هذه العبارة من رواية «مون تايجر» للكاتبة الإنجليزية بنيلوبي لايفلي، بترجمة ساحرة للدكتورة إيناس التركي. ، وهي تعبر بدقة عن فترة الحرب 1987 الرواية منشورة عام العالمية الثانية التي عايشتها الروائية - المولودة في القاهرة - أثناء عملها مراسلة حربية من مصر. فكرة العبارة، مثل كل فكرة صيغت بعناية بعد تأمل ومحاولة فهم، تمتد لتصبح مبدأ عمومياً، يصلح لوصف كل زمن يموج بالاضطرابات. بناء العبارة دقيق ومتدرج بشكل بدت معه الجملة الأخيرة كأنها تميمة تقي من الشرير«أود أن أعود إلى الأوهام». بطبيعتي أنفر من روايات الديستوبيا (أدب المدينة الفاسدة)، ومن أفلام الرعب، وأخآشى اللقطات المفعمة بالعواطف في الأفلام. ضبطت نفؠسي متلبسا مرات كثيرة بالتشاغل بهاتفي أو بفنجان القهوة أو بالذهاب إلى المطبخ تفاديا للقطة بعينها مشحونة بعواطف لا أستطيع تحملها في فيلم أحبه وأعرفه. نحن جيل مدلل، سمعنا عن الحروب والمجاعات عبرالعالم ولم تمسسنا آثارها. أقرب الحروب إلينا، تلك التي تركت شهداء في محيطنا العائلي أوالجغرافي القريب أوالبعيد كان في عام ميلادنا، أو قبله أو بعده بقليل؛ عن حرب أكتوبر أتحدث، وقبلها بقليل التي دلّلها الساسة والمنظّرون 1967 كانت هزيمتنا في عام ومنحوها لقب «النكسة»؛ وكأننا كنا قبلها في عز وجاه وسلطة ثم انتكسنا. أما ما بعد ذلك من حروب وصراعات في العالم الكبير؛ فلم يكن بالنسبة لنا سوى مشاهد منزوعة الدسم، وأخبارمفلترة نتابعها ونحن نتسلى بقراطيس اللب والترمس أمام شاشات التلفزيون، ثم شاشات الكمبيوتر، ثم شاشات الهواتف المتحركة؛ تصغر مساحة الشاشة ويزداد حجم التدفق المذهل من الصور

وليد علاء الدين شاعر وكاتب مصري

والتحليلات بشكل جعلنا لا نتأثر بانفجار قنبلة في شارع مكتظ بالبشر إلا كما نتأثر بانفجار مصنوع للتسلية في أحد أفلام هوليوود. لقد أصابنا تدفق «الميديا» بخلل فادح في التلقي. ثمة ثقب مروع في إنسانيتنا لم تعد معه إنسانية، يشبه ثقب الأوزون الذي لم يعد المناخ بعده كما كان قبله. لم تعد تقلقنا مشاهد الدم والرعب، بات أولادنا يلعبون بأسلحة نارية حديثة، ويتفننون في قتل بعضهم، والسطو المسلح على البنوك، وتحطيم الأشجار لجمع عملات أكثر، صاروا يتسلون بدهس المارة بسياراتهم التي يحصلون عليها كلما سطوا على بنك أوقتلوا تاجراً، أوحطموا الطرقات والشوارع والمحلات..، يقتلون السيدة ويفزعون الأطفال على الأرصفة ليس لجمع عملات أكثر، إنما لرفع معدلات الضحك وتبادل الشتائم، سعيدين بأن أصابعهم الضئيلة قادرة على إحداث كل هذا الدماربمجرد الضغط على أزرارذراع موصول عبرالفضاء بالبلاي ستيشن أو الكمبيوترأوالإكس بوكس وغيرها من حيوات افتراضية تجهزهم بعناية لحياتهم الواقعية. لقد تغيرت طبيعة علاقاتنا بالحقائق، تقريبا لم تعد هناك حقائق. لم نعد نخآشى إلا ما يصل إلى عنقنا ويضيّق الخناق عليه فنشعر بالاختناق. شاهدنا الحروب في العراق وفي إيران وفي الكويت كما نشاهد أفلاما وثائقية. تابعنا أخبارمجازر العالم كما نتابع أفلام الموتى الأحياء «الزومبي» وهم يتساقطون تحت ضربات المعاول والسواطير. سمعنا عن مجزرة سياسية وأخرى على خلفيات طائفية، وثالثة جراء خلافات إثنية، وتعجّبنا من أشكال الشرالتي

2023 أغسطس 286 / العدد 123

122 أود أن أعود إلى الأوهام

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online