التراث المعماري الحديث في الإمارات.. أصالة وابتكار واستدامة
شواهد التاريخ الحديث للإمارة بواكير المباني المعمارية في أبوظبي..
خالد صالح ملكاوي بدأ النموالعمراني المتسارع الذي تشهده مدن دولة الإمارات العربية المتحدة بعد الطفرة النفطية في سبعينيات القرن العشرين، وبعيد قيام دولة الاتحاد، ومع زيادة الإنفاق الحكومي الاتحادي والمحلي وفتح باب الاقتصاديات المحلية التي أدت إلى ظهور مناطق تجارية وصناعية وتوسع في الأحياء السكنية، لتضيف إلى الكتلة العمرانية الصغيرة القديمة في مدن الإمارات مساحات عمرانية إضافية تعادل أضعاف مساحتها القديمة. فكان الرأي العام متوجها نحو تحويل البلدات القديمة في إمارات الدولة إلى مدن عصرية لترقى إلى مصاف المدن الحديثة، ولتوفي بمتطلبات الحياة الحديثة المعاصرة والانتقال من عصر البداوة وقرى الغوص إلى العصرالحديث والقرن العشرين. شكّل إنشاء مدن عصرية حديثة كاملة الخدمات متطلبا حضارياً، لأنها ضرورة حتمية في إنشاء الدولة الحديثة ومتطلبا مهما في عملية النمو في الدولة. ما جعل تلك الفترة من القرن الماعضي تشكل مرحلة حاسمة في تاريخ الدولة، لا سيما مدينة أبوظبي، عاصمة الدولة الوليدة، إذ شهدت، حينها، تطورات معمارية وبنية تحتية ملحوظة، وعاشت تحولات مهمة تجاه التحديث والتطوير، ما أسهم في تحويلها من مستوى متواضع إلى واحدة من أبرز المراكزالحضرية في المنطقة، ودفع بخطوات رائدة نحو تحقيق رؤية مستقبلية للمدينة كواحدة من أبرز المراكزالعالمية في مجال العمارة والتطويرالعمراني، وأكسبها هوية حضرية فريدة ومستدامة موصولة النمووالتطور. النمو العمراني المتسارع في دولة الإمارات الذي بدأ منذ نحو نصف قرن، واستمر في طفرات متتابعة، حوَّل قرى الغوص وواحات الصحراء إلى مدن مزدهرة تقف على قدم المنافسة مع العديد من مدن العالم المتقدم. وانصهرت طوال العقود الماضية فنون الأمم الأخرى في المشروعات الأيقونية الإماراتية، لتصبغ فن العمارة بثراء لا نظيرله، فعلاوة على الاحتفاظ بطابع الأصالة العربية، أغنى التنوع فن العمارة في ربوع الإمارات وأضاف
إليها فنون آسيا وأوروبا. قبل قيام الاتحاد، كان اكتشاف النفط في إمارة أبوظبي هو العلامة الفارقة في تاريخ المدينة الحديث، فنالت أبوظبي حظها مما تناله المدن أوالمناطق النفطية من بدء حركة إعماروتطوير سريعة، ركزت في البداية على البنى التحتية الواسعة التي لا بد منها لاستيعاب حركة العمران النشطة التي يدفع إليها الوضع الاقتصادي الجديد، كمقارإدارات الشركات والبنوك ومد شبكة المواصلات وتطوير الميناء والمطار، وتوسيع منظومة الطاقة وافتتاح المراكزالتجارية الجديدة، وكل ما تتطلبه سوق النفط العالمية لممارسة أنشطتها المتنوعة. ومع إعلان قيام دولة الاتحاد مطلع سبعينيات القرن الماعضي، كانت أبوظبي على عتبة عهد جديد بعد اختيارها عاصمة الدولة الناشئة، فانطلقت فيها الموجة الثانية من البناء والتطوير لتقطع خلال السنوات الخمس الأولى من عهد الدولة الاتحادية أهم أشواط نهضتها في المجالات كافة، وتُعِد البنى التحتية للتطور الأفقي الذي بات يفرضه الواقع الجديد للمدينة، سواء في المنحى الاقتصادي الذي يشمل ازدهار سوق النفط وصناعاته، ونشوء القطاعات الخدمية والمصرفية المتعلقة به، أو المنحى السيا؟سي الذي برزت معه أبوظبي كعاصمة للاتحاد ومركز للسفارات والبعثات الدولية. كانت مدينة أبوظبي من أسرع المدن نموا في منطقة الخليج، وشكلت مساحات عمرانية ناجحة نسبيا تستهوي
المواطنين والوافدين والزائرين من كل أنحاء العالم. وباعتبارها عاصمة وطنية امتلكت بنى تحتية حديثة ممتدة وتطلعات نحو العالمية، وتميزت ببنى تحتية واسعة، ومساكن ميسورة لمختلف الشرائح، وحققت عبرما ينوف عن خمسة عقود تقدما مهما في طريق العالمية والوصول إلى أن تكون مركزا رائدا في الميادين الثقافية والتعليمية والرياضية، ومركزا تجاريا وسياحيا مهما للمنطقة وخارجها. وجلبت إليها مجموعة كبرى من المتاحف والجامعات والفنادق الفخمة والمنتجعات وشركات الطيران العالمية المميزة، وتدفق المسافرين والمصارف والمؤسسات المالية. رافق هذا التقدم المتسارع لأبوظبي نحو العالمية اتجاهات
عصرية في المشاريع المعمارية التي تميل إلى الطابع الأيقوني، تجاوزت معه المباني الأيقونية دورها الوظيفي لتتحول إلى علامة بارزة في حد ذاتها، ما دفع الجهات الرسمية إلى بذل مساع ومحاولات مستمرة لتحقيق المصالحة بين المعاصرة والتراث من خلال البحث عن جذور أصيلة في بعض المشروعات، وتعزيز القيمة التراثية للأيقونات المعمارية، والحفاظ على التراث المعماري للإمارة الذي من أركانه تلك المباني التي تم تشييدها مع بدايات النهوض العمراني في المدينة، وشكلت شواهد حية ومعالم بارزة في المدينة. وتشكل هذه المباني عصب التراث الحديث، بسبب القيمة التي تحملها في الذاكرة الجماعية لسكان الإمارة، ولاعتبارها شهادة تاريخية حية، تحمل في طياتها سرد قصة أبوظبي من خلال هويتها المعمارية والحضرية، التي تجمع بين التراث التقليدي الماعضي والتطلعات المستقبلية. فهي تقف شاهدة على تاريخ الإمارة ونموها وتطورها على مدى العقود الماضية، وتعكس، خلال تلك الفترة، الاستراتيجية الرامية لتحقيق تطور مستدام وتعزيز جودة الحياة. ويُسَجَّل لدائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي سعيها إلى فهم وتقدير التراث المعماري لإمارة أبوظبي في مرحلة ما بعد النفط، وتقييم أهميته، ووضع استراتيجيات فعالة لحمايته للأجيال المقبلة، وحرصها على رصد البيئة الحضرية وتحديد أهم المباني والمواقع التراثية الحديثة التي تروي التاريخ الحديث
37
36
2023 سبتمبر 287 / العدد
بواكير المباني المعمارية في أبوظبي.. شواهد التاريخ الحديث للإمارة
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online