أثر العابر
أحلام ونوافذ
مع أول أشعة العام الجديد، حيث يبدأ العالم التهيؤ لدورة جديدة من عمرِه الأرعضيّ، مع أول تساقط للثلوج الناصعة في شمال العالم، وقد أضيئت الطرقات وزينت بألوان شتى حافلة بالبهجة وصور «بابا نويل» وعربته السحرية التي تقودها الغزلان والرنة، منطلقة من الغيوم البيضاء ليلا باتجاه الأرض، حيث ينظرالأطفال من نوافذهم المشرعة على الحلم بأكياس الهدايا والجوارب الحمراء المزينة، والحافلة بالحلوى والألعاب؛ مع مقدم عام جديد مورق بالآمال الخضراء وبالأحلام، حيث تلتف قلوب صغيرة حول المدفأة ووجوه سعيدة الملامح، فتبدو البيوت من خارجها مضاءة النوافذ، يغمرها الدفء، وإن أحاطتها ثلوج المدينة من الخارج، ورف عليها المطر.. مع أول ورقة تنزع من تقويم الحائط للعام الجديد، معلنة سنة أخرى تدخل تاريخ الإنسانية، حيث البشر مبتهجون بليلتهم المضيئة الملوّنة، يُقبل عالم آخر من بعيد، عبر نوافذ أخرى كثيرة تغضيء الليل بأفكار تحلم بعالم آخر، أكثر عدلا وأمانا ورحمة ومحبة واتساعا للجميع. في جنبات العام الجديد، وفي أركان الأرض تُفتح نوافذ مشرعة على الأحلام، بين حالم بالغد، بمستقبل أفضل وأكثروفرةً، ونافذة أخرى خلفها قلب يخفق لأمل طال انتظارتحققه، ونافذة يضيئها الحلم بالحرية وأخرى تتطلع لضوء لا يغيب. لا تنتهي النوافذ المشرعة على الأحلام في العام الجديد، من أقظصى الأرض إلى أقصاها، كأنما فتحت جميعها على شجرة مزهرة بملايين الأوراق الخضراء المبرعمة بالأمنيات، في كلمات تحمل الأحلام: والحب، والخير، والشبع، والدفء،
حمزة قناوي شاعر مصري مقيم في الإمارات
دون التوقف عندها، وأمنيات تخفق في أرواح خضراء بريئة ويانعة كأوراق الأشجار وأغان وترانيم. في العام الجديد، أزهار تتفتح وأشجار تورق، غابات تؤوي ملايين الحيوانات الصغيرة الأليفة والطيور في أعشاشها، سناجب تتقافزبين الكرز، وأرانب بيضاء تركض، وعصافير ملونة تحلق، ومدن تغضيء، وبحار تقل مسافرين نحو أحلامهم، وأجنحة طائرات تحمل آخرين نحو بلاد يغمرها الثلج، وتدفئها الأحلام. هل تتفتح ذاكرة العالم لأصوات الحالمين، وأحلام الفقراء؟ هل يخفق قلبه لمن يتمنون من الحياة بيتا ولقمة ومساء بسيطا سعيدا حول أبخرة الشاي وأغنية من مذياع قديم؟ العالم في بداية عام جديد، شتاء آخر يقبل ويغطي جنباته، والشمس خيط واهن من ذهب خافت والسماء تنشد أغنيات عذبة والأطفال فرحون، والحالمون تكبر أحلامهم، والفضاءات تتسع، والأرض في بهائِها. أجلس هنا خلف نافذتي لأكتب، كلمات إلى العالم، تأمل أن تلمس قلبا
حزينا لتسعده، أو روحا قلقة حائرة فتبث فيها الطمأنينة والسكينة، أحتفل بالعام الجديد مع الكلمات، وحدها عامي الجديد وفصولي وأمنياتي كلها، أفتح معها نافذتي لنتأمل الحياة في شتاء العالم، ونرى النوافذ الأخرى المضيئة في الليل، وهي تشع دفئا ومحبة وموسيقى خافتة، وقد التف بشر آملون كل حول مدفأة، يبث السماء أحلامه مع بدء العام، خلف نوافذ تطيرمنها الأحلام كالفراشات في عمق الليل كل إلى أفقٍ، تفغضي جميعها إلى سماء كل نجمة فيها حلم وأمنية ونافذة مضاءة وعينان تحلمان
والوفرة، والحلم، والرزق، والبهجة، والصحة، والبيت الدافئ، والرضا، والعِلم، والسعادة، والبهجة، والطمأنينة، والسكينة، والحب. لا تنتهي الأحلام ولا النوافذ المشرعة، لكن هل يسمع العالم؟ تورق الآمال الخضراء وتظل تكبر وتزهرباتجاه الغد، فهل يكترث العالم؟ ثمة ضوء لا ينتهي من النوافذ، ودعوات لا تنقطع إلى السماء، وقلوب تخفق بالحلم وبالأمل والتطلع إلى الغد، في عام جديد قد يحمل لها ما انتظرته طويلا في دورات فصول الأعوام وسقوط الأوراق من التقويم السنوي العابر أحلام الإنسان
119
2023 فبراير 280 / العدد
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online