مجلة تُراث عدد 280 - فبراير2023

المكتبات الخاصة في الإمارات... مجالس للعلم وخزائن للمعرفة

المتحدة» أنه كان لمدينة الشارقة، بحكامها وعلمائها وشيوخها ومثقفيها منذ مطلع القرن الماعضي، الدور الريادي الكبير الذي أسهم في التأصيل للفكرالثقافي والإبداعي والنهضوي، إذ نجد لكل مجال حياتي قصصا تبلورت في أرجاء الشارقة وبواباتها وأحيائها القديمة وبيوتها المشهورة، سيما البيوت التي كانت تحتضن مكتبات خاصة، حيث كانت الندوات والمحاضرات حول القضايا التي كانت تشغل بال الرعيل الأول من رواد النهضة الثقافية تُعقد في هذه المكتبات العائدة لمحبي الأدب والثقافة والعلم، وكانت هذه الفعاليات الثقافية بمنزلة منتديات ثقافية، وكان روادها على صلة بالجدل الثقافي في الحواضر العربية المزدهرة، وعلى تفاعل مع الحراك الثقافي في بلدان المنطقة الأخرى كالحجاز والبحرين وقطروالكويت وسواها. ومع ثلاثينيات القرن الماعضي نمَّى الجيل الثاني من رواد النهضة في إمارات الساحل الاشتراك في العديد من المجلات والصحف العربية، مثل مجلة «الخليج العربي» و«أم القرى» من السعودية، و«المقتطف» و«وادي النيل» و«الرسالة» و«الشورى» و«الهلال» و«المنار» و«الشباب» و«الفتح» من مصر، ومجلة «الكويت» من الكويت، وجريدة البحرين و«صوت البحرين» و«القافلة» من البحرين. ومجلات «بوحمد»، و«الفرات» و«خبربوز» الفكاهية من العراق، و«مجلة الأمة العربية» التي كان يصدرها شكيب أرسلان باللغة الفرنسية من لوزان. وكانت السفن القادمة من الأسفار التجارية تحمل المجلات والكتب الثقافية إلى جانب السلع والمؤن، ويتم توزيعها على بيوت المشتركين، إذ لم يظهرالبريد حتى فترة الأربعينيات. وقد ساعدت قراءات أبناء ذاك الجيل المتنوعة في الثقافة العربية، ومتابعاتهم للأحداث الجارية في الوطن العربي والبلاد الإسلامية، ولقاءاتهم المفكرين العرب، في أن يبدؤوا التفكير في إنشاء أوائل الصحف والمجالس الثقافية والمنتديات، إلى جانب المكتبات التي كانت شغَلَت جيل الرواد الذين سبقوهم، حيث شكّلت مجلات وصحف اشتراكاتهم نواة لهذه المكتبات. كانت المكتبات الخاصة في ذلك الوقت تشكل الرافد الأسا؟سي للحركة الثقافية في البلاد. فقد استطاع القليلون من الطبقة المثقفة تأسيس مكتبات خاصة احتوت على أمهات الكتب،

وضمت المخطوطات والرسائل، إلى جانب المجلات والصحف. ولعبت تلك المكتبات الدور الكبير في نشر الثقافة وازدهارها في الساحل، وتطوُّر الحس الثقافي وظهور المنتديات والمؤسسات الثقافية البدائية، وكذلك تطوُّر الفكر الإصلاحي، وفي ظهور الشعراء والأدباء والمفكرين والمصلحين والمعلمين الذين أخذوا بزمام الأمور في ذلك الوقت. ويمكن ذِكرعدد من أبرز المكتبات الخاصة التي أسسها أصحابها من الحكام المستنيرين والمثقفين والرواد وعلماء الدين في بيوتهم، مثل: مكتبة الشيخ سلطان بن صقربن خالد القاسمي، م)، ومكتبة الشيخ راشد بن 1951 م - 1924 حاكم الشارقة ( م)، ومكتبة الشيخ محمد 1894 - 1886 مكتوم، حاكم دبي ( نور بن سيف هلال المهيري، ومكتبة الشيخ حسن بن محمد الخزرجي، ومكتبة الشيخ عبد الرحمن بن حافظ الأنصاري، ومكتبة الشيخ مبارك بن علي الشامؠسي، ومكتبة الشيخ محمد ابن أحمد الشنقيطي، ومكتبة الشيخ محمد بن سعيد بن غباش، ومكتبة الشيخ عبد الله بن محمد الشيبة، ومكتبة الشيخ أحمد ابن علي المناعي، ومكتبة الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن حديد، ومكتبة الشيخ حميد بن أحمد بن فلاو، ومكتبة الشيخ أحمد بن حجرالبنعلي، ومكتبة علي بن عبد الله العويس، ومكتبة أحمد بالعبد، ومكتبة عبيد بن رحمة البدور، ومكتبة مبارك بن حمد العقيلي، ومكتبة أحمد بن حمد الشيباني، وغيرها الكثير من المكتبات الخاصة التي ارتبطت بأسماء أصحابها ومؤسسيها. وكان من أبرز هذه المكتبات «المكتبة الوطنية» التي أسسها إبراهيم بن محمد المدفع قبل نحوقرن في مجلسه في حي السوق في الشارقة، وفيها كان يتجمع المثقفون من أهل الشارقة، إذ كانت بمنزلة صالون ثقافي، ومثلت ملتقى ثقافيا وفكريا وهمزة الوصل بين المثقفين والأدباء والشعراء والأعيان. ويصفها الطابور بأنها كانت أشهر المكتبات آنذاك، بل إن الكثير ممن عاصروها قالوا إن ثقافة الشارقة القديمة خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماعضي انطلقت أول ما انطلقت من هذه المكتبة المتواضعة التي ضمت الصحف والمجلات العربية إلى جانب الكتب والمعارف والعلوم. ومن المكتبات الخاصة البارزة والموصولة الأثر حتى اليوم مكتبة الشيخ سلطان بن صقر بن خالد القاسمي، التي أنشأها قبل نحو قرن باسم «المكتبة القاسمية»، وتحولت اليوم إلى «مكتبات الشارقة العامة» أكبر المكتبات العامة في الشارقة وأعرقها في الإمارات. وكذلك مكتبة الشيخ عبدالله بن علي المحمود، التي لعبت دورا مهما في حركة التنوير خلال أربعينيات القرن؛ فكانت أحد الروافد الثقافية

16

المكتبات الخاصة في الإمارات.. نُوى التنوير وبِذار المشروع النهضوي

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online