مجلة تُراث عدد 280 - فبراير2023

المكتبات الخاصة في الإمارات... مجالس للعلم وخزائن للمعرفة

قصة ومعاناة الجميل في الأمر، ظهور رعيل جديد ورث عن الأوائل شغف المعرفة وحب الاطلاع، فبنوا مكتباتهم الخاصة متسلحين ببناء العقل والذات العارفة، ولكل مكتبة منهم قصة وحكاية ومعاناة. فعلى سبيل المثال؛ وخلال مقابلة وزيارة شخصية، تتسم مكتبة معالي الأديب محمد المُربظلالها الوفيرة على جميع نواحي القول الإنساني بعرفانه وبرهانه وبيانه، فحين زرت تلك المكتبة في منزله منذ فترة، لا تأتيك الدهشة من اصطفاف الكتب وتراصها المنهجي، بل ذلك الهدوء الحكيم الذي يقود زينتها الإشراقية وتصنيفها المدروس، ولا تكل العين من معانقة موضوعاتها، ولا تمل اليد من تقليب تفاصيلها، ولا تهدأ المفاجآت من مباغتتك خلف كل فترينه تتباهى بعناوينها السخية. تعرف المُر على آماد فكرية لا تُحد بلغاتها الأصلية. ثم اكتشف أمهات الكتب العربية في مكتبة الجامعة، ومن هنا بدأت فكرة التراكم، فأخذ يقتني كل كتاب تقع عليه عينه لكن سرعان ما لاذ محمد المربحكمة «العمرقصير»، حيث لجأ إلى ما سمّاه «زكاة الكتب». سطوة التقاليد لدينا قصة مكتبة شخصية أيضا لأحد رموز الجيل الوسط من مثقفي الإمارات، والتي تجولنا فيها بزيارتنا لرواق عوشة بنت حسين، وهي الدكتورة موزة غباش أستاذة علم الاجتماع، التي تُقر أن التقاليد كانت لها سطوتها المألوفة على عقل الإناث في حقبة الستينيات من القرن الماعضي، وأن شغفها المبكربالقراءة كان مع القرآن الكريم والكتب المدرسية، وأن رغبتها كطفلة وإصرارها الدفين على المعرفة جعلاها تلجأ إلى انتباذها الأماكن المظلمة، مستخدمة كشّافا صغيراً، ليعينها على اقتناص المتعة

المعرفية في كتب يوسف السباعي وإحسان عبدالقدوس، وبعض المجلات المصرية، وروايات الجيب. ومع مرور السنوات وصلت محتويات مكتبتها إلى أكثر من نحو الخمسة آلاف كتاب، وحبها لعلم الاجتماع فتح لها آفاقا من المعرفة الغنية بالبشر، لذلك كانت نواة المكتبة حكرا على كتب علم النفس، وأخلاقيات الناس وسلوكياتهم وحياتهم. تقول غباش: إن إلحاق مكتبتي برواق عوشة بنت حسين ساعدني على إثرائها، فعندما عرف الجميع الرسالة الحضارية التي تبنّاها الرواق انهمرت الكتب من مكتب الإنماء في الأمم المتحدة، وكثير من المنظمات العربية والدولية التي أتحفتنا بالعديد من إصداراتها المهمة، ولا أستطيع أن أنكرأيضا الدور الفعال الذي قام به الأصدقاء والمقربون والمتواصلون مع أنشطة الرواق. ترشيد الاقتناء يقول الكاتب الدكتور عثمان بن صالح العامر: كثر الحديث عن بيع علماء ومثقفين وأكاديميين وكتاب أو ورثتهم من بعدهم لمكتباتهم الخاصة بثمن بخس مع عظم قيمتها المادية في الأصل والمعنوية لديه ولدى أمثاله من محبي الكتاب وطلبة العلم، ولكنه فرّق في الواقع بين القيمة الحقيقية للآشيء وبين ثمنه الذي يحدده في الأساس العرض والطلب، ولذا لا يكون أمام من أفنى عمره في جمع الكتب من كل مكان وهويتنقل بين عواصم الدول لشراء كل جديد ومفيد إلا التبرع بها وإهداؤها لمكتبة عامة أو جامعية على الأقل ليجعل من الغرفة المخصصة لها في بيته متنفسا ومتسعا لمتطلبات أخرى جدت أو لها الأولوية، موضحا أن الخطوة الأولى أمام عشاق الكتاب الترشيد الاقتصادي الفعلي حين الشراء والتفكيرجيدا بكيفية الاحتفاظ بها في حيزهم المكاني الحالي والمستقبلي.

48 المكتبات الخاصة تقاوم التطور التقني بمزيد من الحنين!

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online