ارتياد الآفاق
استنشق بعض أصحابنا هبوب الريح الشرقي، نصف ليلة الأربعاء الثامنة من حلولنا المر؟سى المذكورة. وكان الصاحب المشار إليه عارفا بأحوال البحر لتعدد سفره فيه، ورئيس المركب، إذ ذاك، مستغرق في نومه، فنبهناه، وأعلمناه بهبوب الهواء، فارتحلنا من ساعتنا، وخرجنا من موضعنا ذلك. مدينة طريف وحين مطلع الفجر قابلنا مدينة طريف، وهي مدينة متوسطة على شفير البحر في بسيط
منهم صليبا على كتفه، فلقونا على تلك الحالة حيث لم يمكنهم التخلف، فنزلنا بالمدينة دارا كبيرة مشرفة على جل المدينة. وبعد أن طرحوا صلبانهم وردوا، أيضاً، للسلام علينا، وهم في البشاشة والفرح بمكان. بنتان جميلتان! يكمل وصفه عن بنتين من أهل المدينة فيقول: .. وأهلها ذوات عظام، والغالب عليهم الحسن رجالا ونساء، ولقد شاهدنا ابنتين: بنت حاكم البلد، والأخرى بنت القاعضي، في غاية الحسن
من الأرض، وقد سميت باسم نازلها طريف كما تقدم، ويقابلها من بلادنا القصر الصغير المتقدم الذكر. ولم نزل نصف ذلك اليوم سائرين إلى وقت حلول صلاة الظهرفرأينا، إذ ذاك، مدينة قالص، وهي مدينة كبيرة في جزيرة على البحر، ولها طريق ممتدة إلى البر والبحر يدور بها من نحو سبعة أثمانها، ولها مر؟سى كبيرة لا تقدر لسعتها، وبها من المراكب الكبار والصغار ما لا يحظصى. وحيث كانت مدينة كبيرة يقصدها المسافرون والتجار من كل صوب، وينثالون عليها من كل ريح، وترد عليها النصارى من كل دشرة أو مدينة تجاورها أو تقرب إليها قصد البيع والشراء، والنفقة والخدمة. ويجتمع من المراكب الصغار، التي لجلب إليها المدد والأقوات، والفواكه وغيرذلك العدد الذي لا يحظصى. فما تطلع الشمس إلا والزوارق تهفو قوادم غربان، وتعدو بسوالف غزلان، تخالها في سمائه أهلّة مكشوفة، وتحسبها فوق مئة جريدة دُهُم مصفوفة، فسبحان الملك الخلاق المقدرالأرزاق..) أندلسيون ولكن! يقول عند وصفه مشاهداته عن أهل أطريرة بعين أنثروبولوجية لا تخلومن طرافة ممزوجة بألم: (..... ومن الغد ارتحلنا إلى مدينة يقال لها أطريرة وفيما بينهما بلاد متسعة، وأرض فسيحة معمورة بغرائب الحرث والمواءشي، وأكثرغنم الأندلس أسود، وعن يسارالمارمن البريجة إلى أطريرة مقدارميلين أوثلاثة أميال الواد الكبيرإشبيلية، الذي تجتمع فيه سائر أودية الأندلس، وتسافر فيه المراكب من البحر الكبير إلى أن تصل إشبيلية، على مسافة أربعين ميلا من البحر المذكور. ومدينة أطريرة هذه هي مدينة بين الصغروالكبر، وجل أهلها من بقايا الأندلس، فوصلناها عشية اليوم، فوجدنا جميع أهلها وقد برزوا لنا للاستسقاء، وهم، على عدد نسماتهم، قد رفع كل واحد
والجمال والكمال، لم ترعيني، في جميع ما رأيت من بلاد إسبانيا على سعتها، أجمل منهما، وهما من بنات الأندلس، ومن دم ملك غرناطة الأخير، الذي كان غلب عليها، وهو الملك المعروف عندهم بالري الشيكو، ومعناه السلطان الصغير». ولقد أخبرني بمدينة مدريد رجل يسمى ضون ألونصوحفيد مو؟سى أخ السلطان حسن المتغلب عليه بغرناطة، أن البنتين اللتين بأطريرة من دمه، وضون ألونصوهذا هورجل حسن الأخلاق حسن الشباب له قوة وشجاعة، معروف عند النصارى وهومعدود من فرسانهم وشجعانهم، والنصارى يعتدون بشجاعته، ومع هذا فهومائل إلى من يلقاه من أهل الإسلام ويذكر نسبته ويعجبه ما سمعه من الحديث عن الإسلام وأهله. ولقد حدثني عن أمه أنها حين حملت به اشتهت أكل الكسكوس فقال لها أبوه: لعل هذا الحمل الذي في بطنك من المسلمين. (وكان يداعبها بذلك، إذ كانوا لا ينفرون عن نسبتهم لعلمهم به). المساجد الإسلامية وأما المساجد الإسلامية فلا ينكرون عظمتها ولا ضخامتها مثل مسجد طليطلة والرطبة وإشبيلية الشهيري الذكر البعيدي الصيت. وقد مرذكرمسجد قرطبة في محله وسنذكرمسجدي طليطلة وإشبيلية في محلهما إن شاء الله إذ كانت رؤيتنا لهما عند رجوعنا من مدينة مدريد.
وصف طليطلة يقول صاحب الرحلة عن هذه المدينة الأندلسية:
(.. وطليطلة مدينة كبيرة قاعدة من قواعد مدن العدوة، ودار ملك قديم ، وهي على ربوة من الأرض في حافة مطلة على الوادي
82
آلاف كتاب 5000 و أسير 500 «رحلة الوزير في افتكاك الأسير» وثيقة نادرة عن رحلة سياسية لاسترداد
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online