مجلة تُراث عدد 280 - فبراير2023

أدب ونقد

الكاتبة الإماراتية آفاق السرد وأبعاده الدلالية في قصص ريّا مهنّا البوسعيدي

أحمد حسين حميدان بعد عدة عقود تخطتها القصة الإماراتية القصيرة عن ميلادها، سنجد ثمة سمات مشتركة في قوامها السردي وخصوصا ما بدأ يتشكل في بنيته النصية في العديد من المجموعات القصصية التي صدرت في أعقاب الألفية الثانية، فتشابهت جراء هذه السمات المشتركة في ابتعادها عن استنساخ الواقع وجنوحها نحو التخييل وأخذ السرد القصظصي إلى شعرية أشاعت فيه التكثيف وتضاؤل المساحة التي كان عليها من قبل، إضافة إلى اعتماده على النهاية المفتوحة وأسلوب الترجمة الذاتية وتداعياته الداخلية التي غالبا ما تكون وليدة الأحلام وما يسكنها من رغبات وتمنيات تشاكس الواقع وتراوغ أزماته وضغوطاته المتعاظمة وخصوصا على المرأة. وهو ما شكل قاسما مشتركا في قصص العديد من الكاتبات الإماراتيات مثل فاطمة المزروعي وليلى سالم الصم وعائشة عبدالله محمد... وما قدمته ريّا مهنّا البوسعيدي في قصص مجموعتها (الرحلة . ) 1( ) 8 رقم يندرج في السياق ذاته ويتزيّا بالسمات نفسها حتى لعبة تساقط أعضاء الجسد الإنساني واختلاطها وتداخلها فيما بينها، ما شكّل حالة تناص بينها وبين هؤلاء الكاتبات مع الاختلاف في الاستثمار النظصي وتوظيف مجرى سياقاته عند كل واحدة منهن.. ففي الوقت الذي جعلت فيه ليلى سالم الصم هذا التساقط عبر مجموعتها (أجزائي المتساقطة) ثمرة تشبه الإنسان داخل حياة الاستهلاك الحديثة، جعلته عائشة عبدالله محمد ضمن مجموعتها (مابعد الطوفان) نتيجة الرعب والخوف الجمعي الذي يطفح به المخزون الشعوري واللاشعوري للمرأة بسبب الممارسات الاجتماعية الذكورية التعسفية التي تعرضت لها . وهو ما تتفق معه ريا مهنا البوسعيدي وتحاول ) 2( منذ أمد بعيد ) وتمغضي إلى 8 تجسيده على طريقتها في مجموعتها (الرحلة رقم غايتها من القصة الأولى (رمل) عارضة عبرسياقها الذكورة بصيغة

الجمع من خلال عدد من الرجال يباشرون بمعاولهم تهيئة حفرة لمرأة يدفعونها إليها دفعا ويهيلون فوقها تراب الغياب وهي على قيد الحياة ورغم أن الكاتبة تُبقي أسباب هذا المصير الفاجع لبطلتها موارب عليه، فإنها تترك للراوي ما يومئ به عنها فيقول: (عيناها نسر يحدق في المستقبل.. وفي أيدي الآخرين معاول وأدوات حفر.. عيونهم جمر.. بعضهم يحفر وهي عيناها للأمام.. دفعها أحدهم إلى داخل الحفرة فركعت على ركبتيها ووجهها إن ريّا مهنّا بما تتكئ عليه من وصف راويها العليم لما ) 3( للأرض...) يجري وبالاستناد على مخزونه المعرفي تقلّب بالأزمنة وتصطفي منها مُصاب المرأة ومكابداتها.. وإذا كانت بطلتها تمثل الحاضر، فإن نظرتها المصوّبة إلى الإمام ـ كما تصفها ـ تمثل المستقبل في السلسلة الزمنية بينما الحفرة التي أعدوها من أجلها وساقوها إليها، هي الماعضي الحاضر كل مرة في هذه السلسلة ذاتها جزاء لرؤيتها المستقبلية مالم تكن بعيون الذكورة الجمعية، وبما أن بطلتها اختارت رؤيتها الذاتية للحياة لاقت مصير بنات جنسها المتعارف عليه وهو الوأد الذي لايكون دائما بحفرة في الأرض كما قدمها السياق هنا، بل ثمة حفرة أخرى له بأعماق نفسية لجأت الكاتبة في رصد عوالمها إلى عدد من التناصات التي أقامتها بين السردي والحكائي التراثي والقرآني لتحقق من خلالها مبتغى ) 2002 عملية السرد المضمونية والجمالية.. ففي قصتها (الليلة تبدأ بإنشاء أول تناص لها ومن العنوان يظهر هذا التناص مع الحكايات المعروفة في ألف ليلة وليلة مضيفة إليها ليلة جديدة لتروي فيها على لسان شهرزاد حكاية إضافية من مآ؟سي المرأة

90 آفاق السرد وأبعاده الدلالية في قصص الكاتبة الإماراتية ريّا مهنّا البوسعيدي

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online