أدب ونقد
الشرارات التي تئز في الجمر الراكد /المسافر في طبقات الأرض وعبر الصحراء وفي ردهات المدن المعزولة برغم أنف الحداة والسياس والمهزومين في المقاهي وداخل جلودهم: ها أنت تهيؤني لقصيدتك المجهولة في المشهد وتجردني من معرفتي فتعبئني سفرا في غابتك القلقة وتبعثرفي قراءات النسيان فلا أتذكرحنجرتي لأواري فيها أشجاري الخرساء في هذا الديوان عادت الشاعرة مرة أخرى للحديث عن خيال (القمح) مثلما فعلت في دواوين سابقة. لقد حاولت في سياق حداثي أن أتتبع أثر مفردة «القمح» كدالة مجازية مقترحة، في المعجم الشعري الغابآشي بشكل عام فلم أجد سوى تشبيه لا يخرج بالمشبه به وهو «القمح» إلى مجال مجازي ذي جدة حقيقة أوطرافة معتبرة بل هوتشبيه يدور في دائرة الشيوع الدلالي لاأكثر:
يرحلها في راحتيه إلى «حلم تخفيه سنونوة في قمح سنابل» تنبت في أكمام فضاء الليل، ومرة أخيرة تصف لنا يد الفتى، المغترب في دياره، الباحث عن بطولة رمحه، تلك اليد التي تتمتم الصمت لاتشتري شيئا سوى القمح الرديء . والقمح معجميا جنس نبات حولي من الفصيلة النجيلية وينتج القمح حبوبا مركبة على شكل سنابل حيث تعتبرهذه الحبوب الغذاء الرئيؠسي لكثيرمن شعوب الأرض. أما القمح في الأسطورة السومرية فهو مرتبط بخلق المرأة، يتزوج الإله «إنكي» الإلهة «ننهورساج» وبعد حمل تسعة أشهرتضع مولودتها إلهة الزرع والقمح. وفي الأسطورة اليونانية ترمز «بروسربين» ابنة الإلهة «سيريز» ربة القمح، التي اختطفها بلوتوإله العالم السفلي، إلى حبة القمح التي تقغضي الشتاء راقدة في مخبأ مظلم تحت التراب وتبرز على وجه الأرض في الربيع مورقة مزهرة . في نصوص «المايسترو»، «وحدة »، «مرآة» ، «مدينة»، «حقائب الليل» و«الرصيف» تصل الشاعرة إلى ذروة من ذرى الاقتصاد والتقطير باعتمادها آليات ما بعد الحداثة في صنع القصيدة النثرية الخالية من التعليق الخطابي والثرثرة العاطفية، بحيث يتشكل قوس القول الشعري من عظْم التجربة وكساء لغوي دقيق وفضاء دوال غرائبي مدهش :
وأنا مازلت أمآشي خائفة أتهجى لغة تشبه قمحا يتدلى عطشا فوق السنابل ) 1993 قصيدة (عطش القمح أغسطس وكذلك هوالحال في المواضع الشعرية التالية : وسار من غير قدم يقضم من رغيفه مذاق قمح وألم ) 1993 قصيدة (صحيفة يومية سبتمبر رحلني في راحتيك إلى حلم
تتشنج فيه اللغة حتى تفقد وعيها وحين يستردها الوعي تكون المقاعد قد فرغت . «المايسترو» يد الريح
التي تهزمقبض الباب معزوفة صمت موحش تمنح الشرارة المتحركة في الذات فرصة سانحة للاشتعال . قصيدة «وحدة»
تخفيه سنونوة في قمح سنابل تنبت في أكمام فضائك يا ليلي ... قصيدة (من دفاترضائعة) ويد تتمتم صمته لا تشتري شيئا سوى قمح رديء كان منسيا وراء حديث ليل قد عظصى حراسه ) 48 («بقايا طيف» الديوان الثالث ص
وماتنفك القصيدة الغابشية صاعدة في سلم الارتقاء الأسلوبي والنظصي، ففي انطلاق الصوت الداخلي العميق وهو يمارس سلطة الذات الحرة في إقامة مناخها الخاص ونحت تضاريسها وفق مواءماتها الإنسانية بعيدا عن أي حتمية بيئية أو ثقافية وبعيدا عن أي بلاغة مأثورة، يأخذ الرومانتيكي بلا أي صخب عاطفي طريقه نحوغنائية إنسانية رصينة مفتوحة على التأويل: تستغرقني الغيمة البيضاء حتى تمتلئ بي
هذه مرات ورود مفردة «القمح» في دواوين صالحة غابش قاطبة.... مرة يقول الصوت المركزي المؤنث أنه يتهجّى لغة تشبه قمحا غير أن القمح يتدلى عطشا فوق سنابله ومرة نقابل الصحفي المأزوم في نهاية القصيدة وقد سار بغير قدم يقضم من رغيفه مذاق «قمح وألم» ومرة يناشد الصوت المركزي المؤنث الليل أن
100
مقاربة نقدية في ديوان (الآن عرفت) للشاعرة الإماراتية صالحة غابش
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online