سوق الكتب
حكايات والدي ... ميراث من الحكايات الشعبية ومنهج من الأخلاق والقيم
نشوة أحمد تعكس الحكايات الشعبية روح أي مجتمع، قيمه، عاداته، أيدولوجياته، قواعده الاجتماعية ومواقفه الأخلاقية، لاسيما وأنها تحمل خلاصة التجارب الإنسانية، التي تراكمت عبر الزمن لدى شعب من الشعوب. وفضل ًا عن جماليات الحكاية الشعبية، وخصائصها الفنية، وقدرتها على الإمتاع، فإنها تنطوي على غايات أخلاقية، إذ تستهدف تأصيل القيم، وتجذير الأخلاق، من خلال ما تجسده من سلوك ترفضه وآخرتحض عليه، وهذا ما بدا في كتاب حكايات والدي للكاتب الإماراتي «دكتور جاسم خليل ميرزا» الصادرعن داربدائل - القاهرة، والذي جمع فيه - عن والده - مجموعة من الحكايات الشعبية المستقاة من التراث، والتي تعبر عن المخزون الثقافي التراثي للمجتمع الإماراتي. عمد الكاتب في بداية رحلته إلى التعريف بمنطقة المريحة، التي تعود نشأتها إلى بدايات القرن السابع عشر. وأبرز الطبيعة الجغرافية للمنطقة، وموقعها في قلب الشارقة القديمة، وما شهدته من حراك ثقافي، وما تحتويه من متاحف وأسواق تراثية، مثل مجلس إبراهيم المدفع، وماجد النابودة؛ ما جعلها بيئة خصبة وحاضنة للثقافة، فكان لها أكبر الأثر على والده، الذي نشأ وتربى فيها. ثم تطرق إلى عمل والده بالتجارة في سوق العرصة «أقدم الأسواق الشعبية الإماراتية»، التي كانت قبل أكثر من نصف قرن نقطة التقاء رحلات تجار البدو. وتطرق كذلك
استهلالات تراثية ونزوع حكمي اعتمد الكاتب في استهلال أغلب الحكايات التي جاء على ذكرها صيغ تراثية مثل؛ في قديم الزمان، يُحكى أن، في زمن الإمام علي، في سالف الأزمان،... ليفتح عبر هذه الصيغ نافذة على الماعضي والخيال معًا. وقد عمّق الغاية الأخلاقية من حكاياته الشعبية، باستدعاء ما يرتبط منها بالمعتقد الديني، واستدعاء شخصيات مثل لقمان الحكيم، الإمام علي، النبي سليمان، النبي عيؠسى، الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. واشترك كل ما جمعه من حكايات في النزوع الحكمي، إذ حملت كل قصة حكمة ضمنية كانت لتغني عما لجأ إليه في نهاية بعض القصص من ذكر تلك الحكمة صراحة، ما أوقعه في فخ المباشرة. تنوعت الحكايات الشعبية التي جمعها الكاتب من الناحية الوظيفية، بين الاعتلال والإيجاب القيمي فكان الصدق، الأمانة، الكرم، بر الوالدين، الحلم، إعمال العقل، إسناد الأمر إلى أهله، الإنصاف، التوكل على الله؛ غاية يبتغيها الراوي «الوالد» من نقله تلك الحكايات إلى أبنائه وقيم تتسق مع المهن التي امتهنها لاسيما التجارة، وأيضًا مع ثقافته وانفتاحه على التراث العربي، بينما كان الكذب، البخل، الإسراف، الطمع، الحسد؛ صفات أخرى نبذتها القصص وحثت على عدم الاتصاف بها. ولتأكيد تلك الغايات تخلل بعض هذه القصص؛ مأثورات عربية شهيرة مثل«لله درالحسد ما أعدله.. بدأ بصاحبه فقتله، الطبع يغلب التطبع، حبل الكذب قصير، ما أُخذ بالحيلة لا يسترد إلا بالحيلة، من حفرحفرة لأخيه وقع فيها». قد تعززت واقعية النصوص من خلال بعض المفردات التي تتصل
بالبيئة المحلية مثل؛ القِرب، العبد، القصاب، البدوي، النخل، التمر، وأيضًا عبربعض عاداتها الاجتماعية، مثل لقاءات واجتماعات رجال الحي في المجالس للتسامر والتشاور. كذلك اقتضت الطبيعة التراثية للحكايات، ووقوع أحداثها في الزمن الماعضي، وانتقالها من جيل إلى آخر؛ استخدام أسلوب الراوي العليم، غياب الديالوج المسرحي والاقتصار على السرد المطعم ببعض المونولوجات الداخلية للشخوص. «كان يقول في
إلى أسفاره، وسعة اطلاعه وقراءاته في كتب الفقه والتاريخ والأخلاق، ليشكل عبر كل ذلك توطئة؛ مهد من خلالها لحصيلة الأب الواسعة من حكايات شعبية، لا تعبر عن منهجه الخاص في ترسيخ قيم أبنائه وحسب، وإنما تجسد قدرة تراث الآباء والأجداد على إضاءة طريق الأجيال الجديدة، في الحاضروالمستقبل، ولعل ذلك كان السبب الأكثر إلحاحًا، الذي دفع بالكاتب لجمع تلك الحكايات، إضافة إلى عرفانه بجميل والده.
114 حكايات والدي ... ميراث من الحكايات الشعبية ومنهج من الأخلاق والقيم
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online