مجلة تُراث عدد 279 - يناير 2023

لما بعد جسرالمقطع بكيلومترات قليلة، أما رحلة دبي فهي بحاجة إلى سيارة «لاندروفر»، وإلى سائق يعرف الطريق، قلت: أليست الطريق معروفة؟ قال: كل الطرق تؤدي إلى دبي، ولكن أي طريق أسلم، وأقل وعورة؟ قلت : أليست الطريق معبدة ؟ قال : هناك مشروع طريق ولكن ما زال في البداية، المهم أن تكون جاهزا في الخامسة صباحاً، إذا شئت أن تصل قبل الظهربقليل، لا أخفي أن حديث الأخ المرحوم أحمد شعث عن الرحلة والقصص التي رواها عمّن ذهبوا ولم يرجعوا بعد أن تاهوا في الصحراء، جعلني أشعربآشيء من التوتر، وبكثيرمن الإثارة، ولكن حياة الإعلامي بلا إثارة مملة ورتيبة. مؤونة الرحلة في الخامسة صباحاً، وفي الظلام الذي لم يكن قد خف بعد، بدأت أول رحلة لي إلى دبي، برفقة أحمد وصديقه بشار، جلست في المقعد الخلفي حيث وجدت في المقعد المجاور زجاجات الماء، وأكياس الطعام والفاكهة التي تكفي لثلاثة أشخاص مدة أربعة أيام على الأقل. قال أحمد: هذا الاستعداد ضروري، فمن يدري ماذا يحدث؟ قال بشار، وهويزيد من سرعته على الطريق الصحراوية، اطمئن لقد قطعت الطريق من أبوظبي إلى دبي أكثرمن خمس مرات، ودائما أعود بسلامة بدون مشاكل، فجأة وجدت رأ؟سي يضرب بسقف السيارة، وانطلقت صرخة حقيقية مني بعد اجتياز حفرة على الطريق لم يستطع بشار تفاديها، تمسك جيداً، قالها بشار، وهو يخفف السرعة قليلاً. الطريق كانت موازية للساحل، تمر أحيانا بكثبان رملية، وأكثر الأحيان بحفر مغطاة بالرمال، ولولا آثار العجلات للسيارات التي سبقتنا لما كان هناك أي دليل على وجود طريق. أطل علينا بعد زمن غير قصيرسهل أبيض، تفاءلت خيراً، وأنا أرى انبساط الأرض، وعدم وجود الكثبان والحفر، ولكني كنت مخطئا بهذا التفاؤل عندما قال بشار : هنا أخطرمراحل الطريق، السبخة، وهي الأرض التي

تصلها مياه البحرأثناء المد العالي، ثم تنحسرمخلفة بعضا من اللون الأبيض للملح المترسب فوقها، لوغرزنا هنا، فلن نستطيع إخراج السيارة أبداً، ولن تستطيع السيارات الأخرى أن تجرّنا، هذا لو مرت بنا سيارة فالسيارات الذاهبة والعائدة لا تمر عادة من نفس النقطة، ذلك أن الطرق عديدة ومتشعبة، وكلها تلتقي في النهاية في دبي أوفي أبوظبي، ولكن لوتبعت بعض الطرق الأخرى التي يطرقها السائقون المواطنون الخبراء فقد تجد نفسك في قلب الصحراء، وهكذا يضيع بعضنا. كانت «سيح الشعيب» هي النقطة الحدودية الفاصلة بين إمارة أبوظبي وإمارة دبي، توقفنا في المركز لنُلطع رجال الأمن على جوازات سفرنا، ونكمل الطريق إلى دبي التي وصلناها في الحادية عشرة ظهراً، أي بعد ست ساعات تقريباً، تعرضنا فيها إلى التغريز مرتين برغم أن سيارتنا كانت «لاندروفر» ذات الدفع الرباعي. الفرح الذي شعرت به بعد الوصول إلى الطريق المعبّدة، وإطلالة مدينة دبي كان كبيراً، لم تؤثرفيه كلمات أخي المرحوم أحمد شعث الذي قال: لا تفرط في الفرح، وتذكر رحلة العودة إلى أبوظبي، إذ يجب ألا نتأخر، حتى لا يحل علينا الليل قبل الوصول، تجولنا في مدينة دبي، وتناولنا طعام الغداء في أحد المطاعم البسيطة، ثم بعد أقل من عشردقائق من ترك مدينة دبي، قال بشار: هذه الشارقة، ثم بعد أقل من خمس دقائق، قال: هذه عجمان، وبعد دقائق أخرى، قال: هذه أم القيوين، بالطبع كانت الطريق شبه خالية، والوصول من إمارة إلى أخرى لا يستغرق إلا دقائق معدودة، والآن، للوصول من دبي إلى عجمان، أحتاج إلى أكثر من ساعة في زحام أتمنى أن تكون هناك وسائل لتخفيف حدته، قلت : لصديقي الذي استطاع فعلا الحضور إلى موعده في الثانية عشرة ظهرا في أبوظبي بعد أن حضرفي الصباح اجتماعا في دبي، أتمنى لوكنت معي في تلك الرحلة، لعرفت قيمة هذه الشبكة العظيمة من الطرق التي تجعل وصولنا إلى أي مكان في الإمارات سهلا وميسراً، ومن دون خوف من التغريزأوالضياع

83 2023 يناير 279 / العدد

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online