تراثيات
الحكايات الشعبية التراثية «مرايا ثقافية تعكس هوية الأوطان وتاريخها»
منى حسن تُشكل الحكايات الشعبية أحد أهم مصادر التراث والتاريخ الشفاهي للمجتمعات، وهي قصص تتوارثها الأجيال، وتشكل مدونة للمجتمعات الإنسانية، تحتوي تفاعل البشر مع ما حولهم، وخلاصة تجاربهم في الحياة، وتلعب دورا متفردا في غرس وتعزيزالقيم الإنسانية المشتركة في المجتمعات. ونجد أن هناك العديد من أشكال وأنواع الحكايات الشعبية التي يتم تناقلها من جيل إلى آخر من خلال أسلوب القص الشفهي التقليدي. وتحتوي هذه الحكايات على عدة أنواع من القصص منها ما هوواقعي ومنها ما احتوى على خرافات وأساطير لعب الخيال فيها دورا بارزاً، إضافة لقصص البطولات، والسير الشعبية، والقصص الملحمية، وقصص الرعب، وغيرها. ونظرا لأن الحكايات الشعبية يتم تناقلها شفاهيا من جيل لآخر، من دون تدوين النص الأصلي، فإننا نجد أنها مثل الأغاني الشعبية، تزيد وتنقص من جيل لآخر، وتتغير فيها الأسماء والشخصيات أحياناً، مع احتفاظها بهيكل القصة الأصلي الذي يمتاز بسهولة الحبك، وشخصيات وملامح واضحة التفاصيل، وبجوهر القيم المعرفية والثقافية التي تقوم عليها. وتتشكل منظومة هذه القيم من معطيات تربوية وتاريخية واجتماعية نقرأ من خلالها حياة الناس وتجاربهم. وعندما تتناقل الأجيال الحكايات الشعبية، فهي تصنع نماذج سلوكية يُقتدى بها، تُسهم في رسم توقعات مستقبلية لمستقبل الفرد حول كيفية جعل حياته ذات معنى بمرورالوقت والتجربة، ذلك أنها توظف بمهارة الصفات الشخصية الحميدة مثل الذكاء وسعة الحيلة، والثقة، والكرم، والشجاعة وغيرها، في نسيج الحكاية، إضافة للقيم الإنسانية المشتركة مثل العدل والتسامح والمساواة.. وإذا أخذنا في الاعتبار مصطلح القوة الناعمة الذي ظهر لأول مرّة عبر كتاب جوزيف ناي «القوة الناعمة: وسائل النجاح في السياسة العالمية»، الصادر عن مطبعة كامبريدج ، والذي عرّف فيه القوة الناعمة بأنها: «القدرة على 2004 عام الحصول على ما تريد من خلال الجذب بدلا من الإكراه، أو
الإغراءات، وينشأ من ثقافة البلاد»، سنستنتج أن التراث الحكائي الشعبي يمثل مرايا ثقافية تعكس هوية الأوطان وتاريخها، وترسم صورة إيجابية للدول والشعوب، وتسهم في تحقيق أهداف مهمة في السياسات الخارجية، منها تعزيز العلاقات، والتعاون الثقافي والاجتماعي، والبحث عن المشتركات القيمية التي تصب في معين القيم الإنسانية السامية والمشتركة، وهي بهذا لا تقل أهمية، في التثاقف والتواصل بين الشعوب، عن الثقافة الموجهة للنخب. كما تُوظف الحكايات الشعبية منذ القدم في تعريف الأطفال على المبادئ والقيم الحميدة، وإطلاعهم على تاريخهم وثقافتهم، وتقاليدهم، وعلى ثقافة المجتمعات الأخرى. ومساعدتهم على إيجاد نموذج القدوة، وتعلم اتخاذ القرار، وتنمية الحس المجتمعي والانتماء الوطني لديهم من خلال تعريفهم بشخصيات الحكايات الشعبية في ثقافتنا العربية وغيرها من القصص في الثقافات الأخرى. أيضا تساعد الحكايات الشعبية في تطوير المهارات القرائية للأطفال ومساعدتهم على اكتشاف العالم من حولهم، وشغفهم للقراءة كونها تجذب الطفل ويسهل عليه فهمها وأخذ العبرة والخلاصة منها. ويلعب الرمز والتخيل دورا كبيرا في القصص الشعبية، حيث تروى قصص الحكمة على لسان الحيوانات وتعيش الوحوش بين الناس، وغيرها، مما يرمزفي كثيرمن الأحيان لمغزى معين يراد إيصاله عبر الحكاية، ويُنمي الذكاء ومقدرات الاستيعاب لدى الأطفال، حيث يُظهر الأطفال قدرات كبيرة في التمييز بين ما هو خيالي وما هو حقيقي، واستخلاص العبرة من القصة، ويتجلى هذا من خلال أسئلتهم التي يوجهونها لراوي القصة، والذي غالبا ما يكون الجدة أو الجد، والآباء والأمهات أحيانا في قصص السمر المسائي وما قبل النوم، أو «حكواتي» القرية كما في بعض الثقافات العربية القديمة، يقول ألبرت آينشتاين: «إذا كنت تريد أن يكون أطفالك أذكياء فاقرأ لهم القصص الخيالية. إذا كنت تريدهم أن يكونوا أكثر ذكاء فاقرأ لهم المزيد من القصص الخيالية». ولا تقتصر وظيفة القصص الشعبية في تعليم الأطفال وتثقيفهم وتطوير مهارات القراءة والتمييز لديهم وحسب، بل تتعداها إلى تعزيز قيم الهوية والانتماء، وتعريف
84 الحكايات الشعبية التراثية «مرايا ثقافية تعكس هوية الأوطان وتاريخها»
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online