مجلة تُراث عدد 279 - يناير 2023

الطفل على عادات وتقاليد وطنه ومجتمعه، وايجاد خيوط الربط الإيجابي بين الماعضي والحاضر، الذي يعنى بأخذ العبرة من الماعضي وتوظفها في الحاضروالمستقبل.. تُشكل المواقف في الحكايات الشعبية أيضًا نماذج مثالية لتعليم الحكمة في صنع واتخاذ القرارات، وما يترتب عليها من عواقب، حميدة كانت أم وخيمة، حيث تتعرض الشخصيات في الحكايات الشعبية دائمًا لمواقف أو صراعات تتطلب منها اتخاذ قرارات مصيرية أو اتخاذ إجراءات لحل النزاعات والخلافات. وبناء على عواقب القرار في الجكاية يتم ايصال الرسالة المراد توضيحها، والتي تحتمل أحد الوجهين، وهما: أن يكون القرارالذي تم اتخاذه جيداً، يخدم مصلحة الفرد والمجتمع، أو يكون خاطئا يؤدي لنتائج سلبية غير محمودة، وهنا تتجلى أهمية أخذ العبرة في اتخاذ قرارات مهمة تحت ظل ظروف صعبة ومصيرية. كذلك فإن إشراك الأطفال في المناقشات حول عواقب اتخاذ القرارات ينمي قدراتهم المعرفية وذكاءهم الاجتماعي، ويساعدهم على التمكن من اتخاذ قرارات فاعلة في حياتهم ومستقبلهم. ورغم أهمية الحكايات الشعبية في مرحلة الطفولة، إلا أن أهميتها لا تقتصر على فئة عمرية بعينها، بل تتجاوز مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب وما يليها من مراحل عمرية ترافقنا فيها القصص والحكايات الشعبية مستصحبة الحكمة والأمثال التي تعين المرء على إبصار واقعه بصورة أفضل، وعلى اتخاذ قراراته بحكمة وروية، إضافة للاستفادة من التاريخ وأحداثه في استنباط التوقعات وحلول الأزمات.، وهنا يحضرني قول يوهان كريستوف فريدريش فون شيلر: «تكمن المعانى العميقة في القصص الخيالية التي رويت لي في طفولتي أكثر من وجودها في أي حقيقة علمتني لها الحياة»، كما تتساءل تيري ويندلج قائلة:

«لماذا تأثر الكثيرون منا بالأساطير والحكايات الشعبية في هذا العصر الحديث؟ لماذا نستمر في سرد نفس الحكايات القديمة مرارًا وتكرارًا؟ أعتقد أن السبب في ذلك هو أن هذه القصص ليست مجرد خيال. بل هي عبارة عن الحياة الحقيقية، لقد واجهنا جميعًا ذئابًا شريرة، لقد انطلقنا جميعًا في غابات غير معروفة في مرحلة ما من الحياة، أو في مجاهل أخرى. وكان علينا جميعًا أن نتعلم تمييزالصديق من العدووكيف نكون لطفاء مع المقربين في طريق الحياة». وقد مرت الحكايات الشعبية بمرحلة الشفاهية فالتدوين، ثم عادت مع ثورة الاتصالات والمعلومات التي تعزز ثقافة الصورة، إلى الشفاهية مرة أخرى، في ثوب جديد وجاذب للمتلقي لاحتوائه على المؤثرات المصاحبة للحكايات من صوت ورسومات وفيديوهات وغيره، والذي حاكه «الرواة الجدد» - وهومصطلح أطلق على الحكائين في زمن العولمة -. وذلك عبر إعادة إنتاج وإخراج الحكايات الشعبية عبر وسائل الإعلام الرقمية، ومواقع التواصل الاجتماعي، وصناعة المحتوى. ويجتهد علماء الأنثروبولوجيا في المقارنة ما بين البنية القصصية والبنائية لنماذج الحكايات الشعبية، وبين البنية الاجتماعية التي نشأت فيها، وصولا إلى استعادة النص الأصلي للحكايات، ومن ثم تناولها بالبحث العلمي الجاد في إطارعدة مباحث علمية تاريخية واجتماعية ودينية وحضارية وجغرافية وغيرها، فهي تشكل رافدا ثقافيا وتراثيا ومعرفيا غنيا ومهما للفرد والمجتمع، وتعد حقلا خصبا للباحثين في مجال تاريخ وتراث الشعوب، والتنقيب عن ملامح الحضارات وإنشاء المقارنات والمقاربات، وتناولها بالتحليل والدراسة والنشر * شاعرة وكاتبة من السودان

85 2023 يناير 279 / العدد

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online