أدب ونقد
مازلنا نضيع في مدن عملاقة مزقت طرقاتها دفاترنا فغادرتها العناوين والكلمات تنتظرنا بيوت تستقبلنا بقبلات الجنائن .. ولكن .. لا العناوين لها جسور ولا الكلمات لها لغة قصيدة «مرثية قلب»
وهنا تجسد غابش شاعريا ومجازيا المدائن العملاقة، العلب الخرسانية الشاهقة الساحقة والإسفلت اللاهب تحت الأقدام تراجيديا الاحتشاد والتضاغط اليومي بحثا عن فرصة ومخرج، متاهة الأضواء ومسرح العنف والجريمة المنظمة وغيرالمنظمة، وثن البرجوازية ونداهة البسطاء وعد الجنة الأرضية وواقع الجحيم الأرعضي، الجرم المشهود ذو القداسة والمجد فلا عين رأت ولا قلب أحس : مذ رفعنا المظلات فوق الرؤوس ومشينا لم نعد نرى السماء القلوب تمآشي في تجاويف صدورنا بمظلات أيضا قصيدة «مرثية قلب» في تلخيص آسرألق تقتنص غابش لب المدينة الحديثة الحداثية مجرد ملامح منبهمة لأناس مهزومين ووجود باهت فاقد روح اللون «في بقاء باهت». ومن الانبهام والضياع في المدينة الحديثة إلى الشعور الأسيان بالوحشة وانتظار مالا يأتي، تتعلق الذات المحاصرة بأحجيات العالم الحديث بقشة أمل وسط ركام هائل من الفوعضى واللاجدوى، من الانهيارات والتفسخ، حيث لم تعد أمام الذات /الإنسان فرصة انفلات أو إمكانية تجاوز. هذه هي العبرة الجمالية في تلك المعزوفة الڤيولينية الحزينة الموسومة «انهيار» التي كتبت نوتتها صالحة غابش في لحظة تلامس قوية مع روح العصرالتي هي «هواء يتشبث به التراب»: عود ثقاب وحيد .. يتوسل الرغبة في الضوء الملقى وراء غابة الانتظار . والنافذة المفتوحة
وانتهيت إلى رفقة ءشيء ينهارفي توسلاته .
إن اتكاء غابش على نتفة تجربة يومية معاشة هي عود الثقاب الأخير الوحيد لتدقيق موقف هشاشة الذات في مواجهة آلة الخنق العصرية، مثلما فعلت في نصها البديع «ضياع» عندما استندت إلى الموازاة بين القمرفي طور الفاصل الشمؠسي وثنائية النور والظل في التجربة الإنسانية، الأمر الذي مغضى بشعريتها بعيدا عن أي تمطيط نثري أو ثرثرة بلاغية قد نكون صادفناها وأشرنا إليها في حينها في قصائد كثيرة لها . وفي السياق ذاته يأتي نصها الموسوم «كَذِب المنصاعون» الذي تتولد فيه الدلالة ويتخلق منه الموضوع الجمالي من خلال تدوير ملمح تجربي صغيريختزل تجربة كاملة : ٌصوتك المنصاع لدفئه شال كاذب على كتفي البارد .. يهدهد في عيني صورة الغفوة في ظل شائك . وبرغم أن ثمة ماهو قَلِق في الإسناد النعتي (شال كاذب) تتكفل باقي عناصر الصورة من استنقاذ الموضوع الجمالي المرتبط بعلاقة الحب المفخخة أو استحالة الحب في العصر الحديث، وهي العلاقة التي ستعود إليها الشاعرة غير مرة لاختبارها شعريا واستقطارها جماليا في نصوص مثل «جدران صديقة»، «خاتمة»، «شهرزاد أخرى» و«فضائي والأجنحة».
تلهث محاولاتي للنسيان هواء يتشبث به التراب . نفث العود زفرته الأخيرة .
98
مقاربة نقدية في ديوان (الآن عرفت) للشاعرة الإماراتية صالحة غابش
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online