كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

مــن عودة الماضي بكل ما يعنيه ويحمله من مآس وملاحقات - الخــوف أمنية وســجن وتعذيب وترهيب وتضييق على الرزق والحركة. وقد أسهم ذلك الخوف لدى البعض في تحويل الســجون الخارجية إلى ســجون داخلية تقيد الخيال وتمنع الانطلاق ولا تفسح المجال لمواجهة الواقع بالجرأة المطلوبة. من العزلة السياسية ومن حياد أجهزة الدولة الصلبة عن وظيفتها. - الخوف وهو خوف غذ ََّته عقدة الاعتراف المتدحرجة التي لم يعالجها اعتراف القانون عبر الترخيص بالنشــاط الحزبي، واعتراف المجتمع عبر التصويت في الانتخابات، واعتراف الأحزاب عبر الشــراكات والتحالفات، واعتراف العالم عبر الإشــادة بالتجربة والتعامل المفتوح مع الحركة ورموزها. من التجديد القيادي والمؤسسي والتوجس من التعاقب الجيلي، - الخوف بدعوى المحافظة على وحدة الحركة وصيانة خطها السياسي. وقد تسبب ذلك الخوف في توترات مستمرة ودورية، وانسحابات صامتة وأخرى معلنة، عوََّضها التحاق أجيال جديدة بالحركة تجلبها المواقع وتحفِِّزها المنافع أكثر مما يدفعها النضال أو تحركها الفكرة والمشروع. مــن مجاهيــل الإدارة التــي تشــك ِِّل عصب الدولــة العميقة - الخــوف وبيروقراطيتهــا المعقدة. فالممارســات الإدارية المتراكمة لعقود، ومراكز القوى التــي تتحكــم فيها وتتبادل معها المنافع، لا يمكــن التعامل معها بغير تقاليدها الراســخة، خاصة للوافدين عليها من خارجها. لذلك ظلت السلطة شكلية ولم يجرؤ من تحمل المسؤولية على إحداث التغييرات الإدارية الضرورية التي تحتاج إليها مرحلة ما بعد الثورة وما صاحبها من زخم شعبي كان يتطلع لتغيير عميق وشامل. من سطوة النقابات المتغلغلة في مفاصل الإدارة وشركات القطاع - الخوف العام، ومن قدرتها على تعطيل المرفق العام وإيقاف الإنتاج وتدمير الاقتصاد عبر الإضرابات المتتالية في مختلف القطاعات. وبدلا من مواجهة النقابات بالقانون وما تقتضيه سياســات الإصلاح الكبرى، اختارت النهضة ومن يمثلها في مراكز الســلطة سياســة المهادنة والتنازلات التي لم تخدم الدولة واقتصادها بقدر ما زادت من غطرسة النقابات وجبروتها.

99

Made with FlippingBook Online newsletter